أخبار اقتصادية- عالمية

أداء قوي للمعادن الثمينة في 2019 .. الذهب يرتفع 17 % والفضة 15 %

يعد 2019 أحد الأعوام الإيجابية لقطاع المعادن الثمينة المنتعش، فالذهب بدأ يستعيد جاذبيته من جديد عقب خفوت بريقه وابتعاده عن دائرة الضوء لأعوام، ليرتفع نحو 17 في المائة تقريبا هذا العام، مقتربا من أعلى مستوياته خلال عقدين، فيما زادت الفضة 15 في المائة، والبلاديوم 40 في المائة تقريبا.
وأدت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وحروب تجارية أخرى أقل تأثيرا على الاقتصاد العالمي مثل الحرب التجارية بين كوريا الجنوبية واليابان، إلى حالة من عدم اليقين وترجمت عمليا في تدافع المستثمرين للابتعاد عن الأصول الخطرة واقتناء الملاذات الآمنة وفي مقدمتها الذهب، وسيظل هذا هو الحال في 2020 طالما استمرت التوترات التجارية والمخاطر الجيوسياسية، وبقي الغموض مهيمنا على الأسواق.
وأوضح لـ"الاقتصادية"، ديفيد بيج المحلل المالي في بورصة لندن، أن "أداء الذهب في عام 2019 كان مثيرا للإعجاب، مقارنة بالمعادن النفيسة الأخرى مثل البلاتين والفضة، فقد ارتفع إجمالي حيازات الصناديق الاستثمارية المتداولة من الذهب بنحو 9.8 مليون أونصة، إلا أن البلاديوم أصبح المعدن الوحيد، الذي تفوق على المعدن الأصفر هذا العام، وارتفع 40 في المائة تقريبا".
ويضيف بيج أن انخفاض أسعار الفائدة الأمريكية، والفائدة السلبية في أوروبا، أسهم في زيادة تدفق الأموال الاستثمارية إلى أسواق المعادن النفيسة بدلا من التكالب على سندات الخزانة، وقلصت تلك التغيرات تكلفة الفرصة البديلة للاستثمار وحيازة الذهب، ليكسر المعدن الأصفر في حزيران (يونيو) الماضي حاجز الـ 1400 دولار للأونصة، وهو المستوى الذي لم يتم اختراقه منذ تصحيح سوق الذهب لأوضاعه في عام 2013.
وتبدو الأجواء إيجابية بشأن مستقبل الطلب على الذهب في 2020، إذ يتوقع أن يحافظ على وضعه كملاذ آمن، لأن معظم الخلافات التجارية والاقتصادية الكبرى لا تزال دون حلول جذرية تضمن تهدئة الأسواق واستقرارها.
ومع هذا، يري باتريك بوريل، الخبير الاستثماري، أنه لا يجب التفاؤل بشكل كبير، فيما يتعلق بالطلب على الذهب، مضيفا لـ"الاقتصادية"، أن الزيادة المتواصلة في أسعار المعدن النفيس قد تؤدي إلى انعكاس سلبي على إجمالي الطلب، خاصة في الاقتصادات الناشئة مثل الصين والهند، كما أن رسوم الاستيراد المرتفعة في بعض البلدان، ومواصلة الدولار الحفاظ على وضعه القوي قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على الذهب، ومن ثم يتدافع المستثمرون للبحث عن ملاذات آمنة أخرى في سوق المعادن، بزيادة الطلب على الفضة أو معادن المجموعة البلاتينية.
وفي الواقع، تميز النصف الثاني من 2019 باستقرار الطلب على الذهب، نتيجة هبوط الطلبين الصيني والهندي، (أكبر دولتين مستهلكتين للمعدن الأصفر في العالم)، ومن المرجح أن يبقى هذا الوضع سائدا في الصين على الأقل نتيجة التحديات الاقتصادية، إذ تشير أرقام البنك المركزي الصيني إلى أنه المشتري الرئيس للذهب هذا العام بنحو 3.1 مليون أوقية، أما الهند فقد فرضت رسوما أعلى على واردات الذهب، ما خلق مزيدا من الضغط على الذهب في الربع الثالث والرابع من هذا العام، وتشير بيانات البنك المركزي الهندي إلى انخفاض واردات الذهب 5 في المائة، بحيث بلغت منذ بداية العام وحتى نهاية شهر أيلول (سبتمبر) 642 طنا، ويتوقع أن تراوح العام المقبل بين 825-800 طنا.
في المقابل، يقول لـ"الاقتصادية"، باتريك بوريل الخبير الاستثماري، إن الفضة تتطلع إلى اللحاق بقافلة الذهب، وربما محاولة التفوق عليه العام المقبل إن استطاعت لذلك سبيلا، ويرجع ذلك إلى أن نحو 60 في المائة من إنتاج الفضة يستخدم في الإنتاج الصناعي، ولربما يساعد تراجع الحرب التجارية في تحفيز الإنتاج الصناعي العالمي، وينعش الطلب على الفضة، وإذا كان 2019 عاما مميزا بالنسبة للذهب، فإنه لا يقل تميزا بالنسبة للفضة، إذ ارتفعت بنحو 15 في المائة.
ووصلت أسعار الفضة الفورية إلى ذروتها في بداية أيلول (سبتمبر)، إذا تم تداولها فوق 19.60 دولار مقابل 15.70 دولار في بداية العام، والذروة المحتملة لأسعار الفضة العام المقبل ستكون عند 20 دولارا للأوقية.
إلا أن لفيفا من المحللين الاستراتيجيين في بنك "ستاندرد تشارترد" يرجحون بلوغ متوسط سعر الفضة 17.50 دولار العام المقبل، وأن تصل الفضة في ذروتها السعرية إلى 18 دولارا خلال الربع الثاني من 2020، بينما تقفز تقديرات مؤسسة "ميتل فاكوس" بأسعار الفضة إلى 22 دولارا.
وفي الواقع، فإن الأسواق ينتابها حالة من الجدل بشأن إمكانية تفوق الفضة على الذهب في العام المقبل، وتوضح لـ"الاقتصادية"، الدكتوره كارن سميث أستاذة التجارة الدولية، أن "أنصار الفضة متفائلون جدا بشأن مستقبلها، ويعتقدون أنها ستتفوق حتما على المعدن الأصفر، لكن آخرون يستبعدون بشدة أن تتفوق الفضة العام المقبل على الذهب، في ظل الشكوك المحيطة بإمكانية انتعاش الإنتاج الصناعي العالمي بشكل جذري وكبير، وربما يعد البلاديوم المنافس الحقيقي للذهب هذا العام والأعوام المقبلة، فقد أدى عجز المعروض عن تلبية احتياجات الطلب العالمي إلى تسجيل البلاديوم قفزات سعرية في 2019، وهو أمر مرجح استمراره خلال 2020".
ويذكر رود هيل، نائب رئيس اتحاد السبائك البريطانية، أن طبيعة إمدادات البلاديوم تأتي في الغالب كمنتج ثانوي من مناجم البلاتين والنيكل، ما يجعل العرض غير مرن، مقارنة بتقلبات الطلب، وعلى الرغم من ارتفاع السعر هذا العام، إلا أن نمو الإنتاج الأساسي وإعادة التدوير ظلا مستقرين إلى حد كبير، أما الطلب فكان أكثر تقلبا، إذ يذهب أكثر من 80 في المائة من البلاديوم إلى صناعة السيارات، التي باتت مهددة برسوم جمركية أكثر تشددا، ما يلقي بظلاله على القطاع، ومن ثم كلما زاد الطلب الصيني على السيارات زاد الطلب على البلاديوم، وقد يدفع نقص المعروض إلى تحويل بعض الطلب خلال 2020 إلى البلاتين، وعلى الرغم من أن قليلا من الأدلة تشير حاليا إلى إمكانية حدوث هذا الاستبدال، إلا أن ذلك قد يكون الحل الوحيد أمام الأسواق للتغلب على انخفاض المعروض من البلاديوم.
ومع أن الخبراء في مجال المعادن النفيسة يطلقون على البلاتين والروديوم والبلاديوم اسم المجموعة البلاتينية، إلا أن المعدن، الذي تسمى المجموعة باسمه وهو البلاتين، يواجه أوضاعا صعبة منذ 2016، فبينما واصلت أسعار البلاديوم والروديوم الارتفاع كان البلاتين في تراجع.
إلا أن 2019 لم يكن شديد السوء بالنسبة للبلاتين، ومن المتوقع أن يحقق سوق العقود الآجلة للبلاتين مكاسب في نهاية العام، وسط توقعات بأن يشهد وضع البلاتين مزيدا من التحسن في العام المقبل.
ويقول لـ"الاقتصادية"، ديفيد بيج المحلل في بورصة لندن إن "حركة أسعار البلاتين تخلفت عن الروديوم والبلاديوم على مدار الأعوام الماضية، وعام 2019 لم يكن استثناء من ذلك، ومع هذا فوضع البلاتين الآن أفضل، إذ إن سعر الإغلاق هذا العام قد يكون أعلى من سعر إغلاق العام الماضي بنحو 18 في المائة، والنطاق السعري للبلاتين في 2019 قد يراوح بين 787.30 كأدنى مستوى سعري، و937 دولارا أعلى مستوى سعري، وتحقق في الـ19 من الجاري، أما أسعار العقود المستقبلية فقد بلغت 1000.80 دولار، وهذا يعني أن البلاتين ربما لن يحطم الأسعار هذا العام، لكن المؤكد هو أن حركة السعر تشير إلى أنه سيدخل العام المقبل في اتجاه صعودي".
الروديوم أيضا أحد المعادن النفيسة، التي تنتمي للمجموعة البلاتينية، وعلى الرغم من أنه معدن نفيس غير ذائع الانتشار، إلا أن سعر الأوقية بلغ في الـ19 من الشهر الجاري نحو 5840 دولارا للأوقية، ويبلغ هذا السعر عشرة أضعاف السعر 2016، وذلك عندما انخفض لأدنى مستوى له، إذ بلغ حينها 575 دولارا للأوقية.
ويقول لـ"الاقتصادية"، مارتين روجرز، أحد المضاربين على المعادن في بورصة لندن، إن "سعر الروديوم الحالي نتيجة ثانوية لإنتاج جنوب إفريقيا البلاتيني، ونتيجة لانخفاض أسعار البلاتين العام الماضي لأدنى مستوى منذ 2003، حيث لم يتجاوز سعر أونصة البلاتين 755.70 دولار، وذلك بالطبع بسبب انخفاض إنتاج جنوب إفريقيا من البلاتين، وتسبب تعدين كميات أقل من البلاتين في نقص ملحوظ في سوق الروديوم، الذي لا يتداول في بورصة العقود الآجلة".
ويضيف روجرز "قد يساهم العجز في سوق الروديوم إلى دفع الأسعار لأعلى العام المقبل، وربما تزيد قيمة الأونصة على عشرة آلاف دولار"، ويشير بعض الخبراء في مجال المعادن النفيسة إلى أن الروديوم يعد أفضل المعادن النفيسة في المجموعة البلاتينية أداء على مدار الأعوام الماضية، فخلال العام الجاري ارتفع سعره بأكثر من الضعف (147 في المائة)، حيث انتقل من أقل من 2500 دولار نهاية العام الماضي إلى 5840 دولارا أخيرا.
يمكن القول بأن مجموعة المعادن البلاتينية لديها عدد لا يحصى من التطبيقات الصناعية، وبصرف النظر عن استخدامها في صناعة السيارات، فإن المعادن البلاتينية، وهي معادن كثيفة ذات مقاومة عالية للحرارة مطلوبة في تكرير النفط والبتروكيماويات، وتصنيع الألياف الزجاجية، والأجهزة الطبية، وغيرها من التطبيقات الصناعة. ونظرا لأن البلاتين هو أكثر تلك المعادن كثافة، فإنه يمكن أن يحل محل الروديوم والبلاديوم في عديد من الصناعات، كما أن تاريخه كأصل مالي وتجاري منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث كان يتداول غالبا بأسعار أعلى من الذهب، لكونه أكثر ندرة من المعدن الأصفر بعشر مرات، فإن مجموعة المعادن البلاتينية ككل قد تدخل سوق المعادن النفيسة في اتجاه صعودي العام المقبل.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية