ثقافة وفنون

مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور .. شعلة تراث ومكانة لا تتغير

ترسم الفعاليات، التي ينظمها نادي الصقور السعودي خريطة الطريق، التي يسلكها النادي نحو تحقيق أهدافه الاستراتيجية المنسجمة مع«رؤية 2030»، إذ يعد التراث والثقافة جزءين أساسيين من مقومات "جودة الحياة"، ويرتقيان بجودة حياة المواطن، ويحميان تاريخه، ويحققان تنمية اجتماعية للفرد والبيئة المحيطة به.
فالصيد بالصقور، أو الصقارة، موروث ثقافي عريق، يؤكد عمق حضارة المملكة، التي تعد منطقة استيطان لأنواع مختلفة من الصقور، وممرا لأخرى مهاجرة، أدرجته منظمة اليونسكو كتراث إنساني حي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
"الاقتصادية" تتجول في مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور في نسخته الثانية، الذي انطلق الأحد الماضي، ويستمر حتى الـ16 من ديسمبر الجاري، في ملهم شمال مدينة الرياض، حيث يتنافس صقارو العالم للظفر بكأس الملك عبدالعزيز في الملواح، السابق الشهير الممتد على مسافة 400 متر.

المسابقة الأكبر
في العالم
تحمل الصقور كثيرا من الدلالات الرمزية، وتاريخها الطويل في تراثنا العربي يشهد بشراكتها للإنسان، ودورها في صناعة حضارته منذ آلاف السنين، ولا سيما في الجزيرة العربية، إذ كان العرب يصيدون بالصقور، ويأخذونها مصدر رزق لهم، وكانت رمزا للقوة والنبل والشجاعة، إلى أن أصبح الصقر رمزا للعرب، كشهادة مسلم بها عالميا.
ولعل هذه المكانة الفريدة للصقر في تاريخ العرب، أسست لإيجاد ملتقى سنوي يجمع الصقارين من المملكة بأقرانهم من دول العالم، مثل مهرجان المؤسس، الذي يعد الأكبر على مستوى العالم، بعد دخوله في نسخته الأولى العام الماضي موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية، مسجلا مشاركة 1723 صقرا، فيما أفادت مصادر لـ"الاقتصادية" بأن عدد المسجلين حتى اللحظة في نسخة هذا العام تجاوز ألفي صقر، وينتظر انتهاء تسجيل المشاركين الدوليين، الذي يستمر حتى السبت المقبل، تمهيدا للإعلان عن الرقم النهائي الرسمي، لكسر الرقم القياسي السابق.
ويأتي تنظيم المهرجان ضمن أهداف نادي الصقور للحفاظ على موروث الصيد بالصقور، ودعم الصقارين في المملكة، والحفاظ على الموروث الثقافي والحضاري للمملكة، وتعزيز ريادتها في دعم الأنشطة الثقافية والحضارية، ولعب أدوار تتعلق بالتوعية والتدريب والبحوث وبرامج العمل لحماية الصقور وازدهار رياضة الصيد بها لتبقى إرثا يتوارث.
21 مليون ريال جوائز مالية
يسعى نادي الصقور السعودي، الذي يحظى بدعم وإشراف مباشر من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى إحياء المنافسة ودعم الصقارين في المملكة، من خلال إقامة المسابقات، التي تبث روح الحماس، بجوائز نقدية تصل إلى 21 مليون ريال، للفائزين في مسابقتي الدعو (الملواح) 400 متر والمزاين، اللتين تقامان في المهرجان، حيث تبلغ جوائز مسابقة المزاين ثلاثة ملايين ريال، وتتضمن خمسة أشواط، فيما يذهب بقية مبلغ الجائزة لأشواط الملواح، المخصصة لستة أنواع من الصقور هي (الحر، الشاهين، جير الشاهين، تبع الجير، قرموشة الجير، والجير بيور)، بفئتين عمريتين هي الفرخ (أقل من سنة)، والقرناس (أكبر من سنة)، وتقسم المسابقة على فئتي الملاك والمحترفين، بأشواط خاصة للسعوديين وأخرى للدوليين.
ووفقا لنظام مسابقة الملواح، فإن المهرجان يكرم الفائزين الثلاثة الأوائل في كل شوط، فيما ينال أصحاب المراكز العشرة الأولى جوائز مالية، ويتأهل أصحاب المراكز السبعة الأولى إلى الأشواط النهائية ضمن كأس الملك عبدالعزيز.

أب وابنه يتنافسان
المهرجان الضخم، الذي تنقل مسابقاته على 15 قناة تلفزيونية، شهد مفارقات عجيبة وغريبة، منها المنافسة، التي شهدتها أشواط مسابقة الملواح الإثنين الماضي بين أب وابنه، واللذين انتهت بهما المنافسة إلى انتزاع المراكز الثلاثة الأولى في فئة قرموشة جير فرخ للمحترفين السعوديين.
وكان محمد بن برغش بن محمد البرغش المنصوري، قد حقق بصقره رقما قياسيا في مسابقة الملواح، بمدة زمنية بلغت 17.845 ثانية، ليحطم ابنه حميد هذا الرقم بصقره، الذي قطع الـ400 متر بمدة بلغت 17.552 ثانية، إلا أن محمدا عاد وانتزع اللقب في آخر صقر مشارك في الشوط، ليحقق المركز الأول بمدة زمنية قدرها 17.341 ثانية، بصقره "مشوش"، الذي سماه صاحبه بهذا الاسم كونه يشوش عليه بسبب حركته الكثيرة أثناء إعداده للدخول للسباق، ليجعله يتساءل هل سيفوز أم لا؟
الحاضر لسباقات الملواح، يلمس مشاعر المحبة والتعاون والمودة بين الصقارين المتنافسين، والتهاني المتبادلة بينهم للفائزين، وكذلك يرى التعاون المثمر بينهم لتبادل المعرفة والخبرات بين بعضهم بعضا، سواء في النصائح الطبية أو تلك التي تتعلق بتدريبات الصقر وترويضه، بل ويقدمون النصائح والأساليب المبتكرة التي تدفع الصقر لتحقيق لقب المسابقة، في دلالة على نبل يشابه في حجمه نبل الصقر العربي.

أكبر صقار سعودي
الزائر لمهرجان الملك عبدالعزيز للصقور، لا بد له أن يلتقي العم تركي غلاب الذيابي، أكبر صقار سعودي، الذي لم يمنعه شعره الأبيض ولا سنوات عمره أو ظروفه الصحية من حضور مسابقات الصقور، ومرافقة ابنه لحظة إطلاق صقره في منافسات الملواح.
الذيابي 97 عاما شهد مراحل تأسيس الدولة السعودية الثالثة، وعايش ملوكها جميعا، وكرمه نادي الصقور السعودي، بعد أن سجل إنجازا للنادي كأكبر صقار مسجل في المهرجان.
ولا تقف المواقف المميزة عند هذه السابقة فقط، بل يجد الزائر للمهرجان أينما ولى وجهه مزيدا من المواقف المؤثرة وغير المألوفة، مثل استحواذ عائلة على أغلبية المراكز العشر الأولى لأحد أشواط الملواح، أو مشاركين في السباقات من ذوي الاحتياجات الخاصة، مذكرا بسابقة فريدة شهدها المهرجان العام الماضي، حينما تغلب الصقار محمد بن عبدالله الشريف من فئة الصم على إعاقته، واستطاع أن يتواصل مع الصقور بلغة الإشارة مشاركا في مسابقة الدعو.
وعلى الجانب الآخر، شهدت أروقة مهرجان الملك عبدالعزيز وجود عدد من الأطفال، الذين قدموا مع آبائهم المشاركين في مسابقات الصقور لتقديم الدعم والمؤازرة، مثل الشاب سيف بن عادل العتيبي ذي الـ 12 ربيعا، الذي تعلق بالصقور منذ أن كان عمره خمسة أعوام، مجسدا أحد أهم أهداف نادي الصقور، الذي يسعى إلى نقل تراث الصقور إلى الأجيال المقبلة.
وكانت مراكز التسجيل، التي نظمها نادي الصقور في سبع مدن تمهيدا للمسابقة، قد شهدت تسجيل أول صقارة سعودية للمشاركة في مسابقة الملواح بصقرها "سطام"، الصقارة "عذاري بنت مبارك"، إلا أنها لم تشارك في المسابقات في أيامها الثلاثة الأولى، كونها مسجلة في فئات أخرى، بحسب جدول قرعة المسابقة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون