FINANCIAL TIMES

ضباب «بريكست» يدفع مديري الاستثمار إلى الرحيل من لندن

صناعة إدارة الصناديق التي هي واحدة من الجواهر في تاج الحي المالي في لندن منذ الأزمة المالية، كانت تأمل في تفادي أحد أسوأ تصدعات "بريكست". لكن الأدلة المتزايدة تشير إلى أن هيمنة العاصمة البريطانية باعتبارها مركزا نشطا لإدارة الاستثمارات قد تتلاشى نتيجة "بريكست".
عززت شركات إدارة الأصول العالمية فرقها في أوروبا القارية ونقلت مليارات الجنيهات من الأصول إلى مراكز تمويل أخرى مثل لوكسمبورج وإيرلندا. لكن الإشارة الأخيرة على أن "بريكست" يضعف سلطة لندن ببطء تتمثل في انتقال عديد من الرؤساء التنفيذيين في صناعة الصناديق إلى أوروبا القارية.
في الشهر الماضي، المجموعة الاستثمارية "أليانز جلوبال إنفسترز" التي تدير 557 مليار يورو، استبدلت توبياس بروس من ميونخ برئيسها التنفيذي السابق، أندرياس أوتيرمان، الذي كان يعمل من لندن.
كان هذا التبديل مماثلا لتحركات مشاهبة في عدد من الشركات الأخرى، أبرزها "أكسا إنفسيتمنت مانيجرز" التي تدير ما قيمته 757 مليار يورو من الأصول، التي استبدلت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي رئيسا تنفيذيا مؤقتا من باريس بأندريا روسي من لندن. و"دي. دبليو. إس" DWS التي تدير أصولا قيمتها 752 مليار يورو، عينت أسوكا فورمان من فرانكفورت بعد عام من إقالة نيكولاس مورو، الذي كان يعمل في لندن.
على الرغم من أن التغييرات قد تم إجراؤها لأسباب مختلفة ولم يشر أي من شركات إدارة الأصول إلى "بريكست" باعتباره عاملا مساهما، إلا أنها مؤشر على أن "بريكست" يضعف جاذبية لندن بصفتها "مركزا عصبيا" للعمليات الدولية لمديري الأصول.
أمين راجان، الرئيس التنفيذي لـ"كرييت ريسيرش" Create Research، وهي شركة استشارية، يقول بالنظر إلى مكانة الشركات المعنية، فإن الخطوات التنفيذية الأخيرة بعيدة كل البعد عن كونها محض مصادفة.
يضيف: "هناك حالة من عدم اليقين الحاد في صناعة إدارة الأصول بشأن "بريكست" ومصير ترتيبات جواز السفر. إنها معلقة مثل سيف ديموقليس على كل قرار استراتيجي".
هناك تقليد لدى شركات إدارة الأصول العالمية يتمثل في وضع مديريها التنفيذيين في لندن في ضوء مكانتها مركزا ماليا رئيسا. تاريخيا، أنشأت بيوت الاستثمار الأمريكية والآسيوية مقارها الأوروبية في عاصمة المملكة المتحدة، عادة إياها بوابة إلى أوروبا.
وبعض شركات إدارة الأصول الأوروبية الكبيرة التي تقع مقارها الأم في القارة عينت قادة بارزين في لندن. ولا تزال كل من "سانتاندر أسيت مانجمينت" و"كاندريام إنفيستر جروب"، المملوكة لشركة أمريكية، خاضعتين لقيادة رئيسين تنفيذيين مقرهما لندن، على الرغم من أن الجزء الأكبر من أعمالهما في الاتحاد الأوروبي.
يعكس هذا الهيكل دور المدينة باعتباها منصة انطلاق للتوسع العالمي للشركات وشعبيتها لدى الشركات الكبرى في التمويل الدولي. هناك عدة أمثلة على وجود هياكل مشابهة في مجال المصرفية الاستثمارية أيضا: أندريه أورسل، الذي كان حتى عهد قريب يشغل منصب رئيس قسم المصرفية الاستثمارية في مصرف "يو. بي. إس" في سويسرا، كان يؤدي مهامه من لندن.
من وجهة نظر الأعمال مزايا لندن تشتمل على وجود مجموعة كبيرة من المهنيين الموهوبين في مجال الاستثمار ومندوبي مبيعات الصناديق الدوليين، علاوة على عدد كبير من المستشارين الأقوياء والمستثمرين المؤسسيين.
جان-لوي لوران، الشريك الإداري السابق في "روثستشايلد آند سيه جيستون" Rothschild & Cie Gestion يقول: "اعتادت لندن أن تكون المكان المعتاد لتأسيس مقار شركات إدارة الأصول العالمية، لكن فائدة تأسيس شركة (في العاصمة البريطانية) هي الآن أقل وضوحا بسبب آفاق "بريكست". بالنسبة للشركات التي توجد مقارها الرئيسة في أوروبا القارية، ضعفت الحجة إلى حد كبير لأن يكون لها مقر في لندن".
على الرغم من استمرار حماية حقوق التفويض بعد "بريكست"، وهو ما يمكن الشركات الاستثمارية من مواصلة إدارة الأموال من لندن، إلا أن هناك علامة استفهام لا تزال تحوم حول ما سيحدث في مسألة جوازات السفر -العلاقة المفتوحة التي تعتمد عليها شركات إدارة الأصول لبيع الصناديق عبر الاتحاد الأوروبي. الاتفاق الذي يحكم انسحاب المملكة المتحدة من الكتلة يتضمن تفاصيل ضئيلة تتعلق بهذا الأمر.
يقول راجان: "هناك احتمال كبير لأن تبقى لندن مركزا رئيسا لصناعة إدارة الأصول، لكن القارة ستكون محرك نموها. هناك احتمال كبير أيضا لأن تتقلص مكانة لندن المهيمنة مع مرور الوقت، اعتمادا على ما سيحل مكان ترتيبات جوازات السفر".
لكن "بريكست" ليس العامل الوحيد الذي يدفع الرؤساء التنفيذيين في إدارة الأصول إلى الانسحاب من لندن. الرياح العكسية المتعددة التي تضرب هذه الصناعة، بما في ذلك انخفاض هوامش الأرباح وارتفاع التكاليف التنظيمية، تدفع الشركات الأم إلى طرح أسئلة قوية حول مستقبل أعمال صناديقها.
جوناثان دولان، رئيس قسم أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في "كيسي كويرك" Casey Quirk، الشركة الاستشارية المملوكة لـ"ديلويت"، يقول: "تكبس الشركات زر التوقف المؤقت على خطط التوسع في أقسام إدارة الأصول لديها. وتواصل الاستثمارات المهمة في لندن لكن بشيء من تقليص الإنفاق".
من خلال تعيين الرئيس التنفيذي لوحدة إدارة الأصول الخاصة بها في مكان أقرب إلى الوطن، تستطيع المصارف الأم، أو شركات التأمين الأم، ممارسة قدر أكبر من السيطرة على الاتجاه المستقبلي لأعمالها. يقول دولان: "ترغب بعض الشركات الأم في التفكير في الاستراتيجية بطريقة أكثر ترابطا عبر المجموعة ككل، وبالتالي من المنطقي أن يكون مقر الرئيس التنفيذي (لشركة إدارة الأصول) أقرب إلى الشركة الأم".
مثلا، التغيرات التي طرأت على القيادة والموقع في "أكسا آي. إم" Axa IM و"دي. دبليو. إس" تزامنت مع التحول في التوجه الاستراتيجي لتلك الشركات. بدأت الشركات الأم لـ"أكسا" و"دويتشه بنك" بطرح برامج لخفض التكاليف في كل من شركتي إدارة الصناديق التابعتين لهما، إضافة إلى النظر في مسألة بيعهما أو دمجهما مع شركة منافسة.
مثل معظم الرؤساء التنفيذيين للشركات العالمية، نادرا ما يقضي رؤساء شركات إدارة الأصول أسبوعا كاملا في مكان واحد، فهم يقضون ساعات يومهم على متن الطائرات خلال التنقل بين المواقع المختلفة لشركاتهم.
وضع التنقل هذا هو ما سمح لكثير من رؤساء الصناديق بالبقاء في لندن لفترة طويلة. خلال فترة رئاسته لـ"دي. دبليو. إس"، عاش مورو في لندن، حيث كانت تعيش أسرته، لكنه كان يقضي عدة أيام في الأسبوع في فرانكفورت. أيضا، فريدريك جانبون، الرئيس التنفيذي لـ"بي. إن. بي باريبا أسيت مانجمينت"، كان يعيش ويعمل في لندن، ويذهب في رحلات أسبوعية إلى مقر الشركة في باريس. على الرغم من تراجع شركات إدارة الأصول في الاتحاد الأوروبي عن المملكة المتحدة، إلا أن التزام شركات إدارة الأصول الأمريكية بالبلاد بوصفها قاعدة لقيادتها في أوروبا لا يبدو أنه يتضاءل.
يورج إمبروسيوس الذي تم تعيينه أخيرا رئيسا لقسم أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في "ستيت ستريت"، شركة إدارة الأصول والودائع الأمريكية، يقول: "حتى الآن ليس لدي سبب يجعلني أشكك في مركز لندن البارز. فهي لا تزال المكان الطبيعي لرئيس أوروبي من مؤسسة مالية عالمية".
إمبروسيوس الذي يعمل بشكل أساس من لندن ويستمر في الوقت نفسه في العيش في ميونيخ حيث توجد عائلته، هو الرئيس القانوني لكل من كيانات "ستيت ستريت" في بريطانيا والاتحاد الأوروبي. وهو لا يتوقع أن يتغير هذا الوضع بعد "بريكست"، لكنه يعترف بأن انفصالا دون اتفاق بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي يمكن أن يضطر المجموعة إلى تعيين فريقي قيادة منفصلين. يقول: "(في فترة ما بعد "بريكست") سيتعين علينا أن ننظر فيما إذا كنا بحاجة إلى إجراء انفصال أكبر بين الشركتين". راجان، من"كرييت ريسيرش"، يرى أن التنفيذيين المتنقلين مثل إمبروسيوس سيكونون أكثير شيوعا في الوقت الذي تنتظر فيه شركات إدارة الأصول أن ينقشع ضباب "بريكست". "لكن إذا استمر صعود النزعة القومية دون مراقبة، قد نرى رؤساء تنفيذيين منفصلين لكل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي. هذا يمكن أن يجعل النماذج التشغيلية لدى شركات إدارة الأصول العالمية أكثر بيروقراطية".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES