ثقافة وفنون

الدبلوماسية الثقافية .. دراما وسياحة ومنافع أخرى

أفرزت الدراما حول العالم قوى ناعمة ودبلوماسية ثقافية، عصفت بالشعوب والمجتمعات، وجعلتها تقبل على الدول المصدرة للدراما، من خلال السياحة أو التجارة أو غرس الأفكار، لتكون الدراما سببا في هذه النتائج الإيجابية، وتحقيق أهداف الدولة المنتجة.
وليس من باب المصادفة أن تلجأ تركيا إلى تكثيف أعمالها الدرامية باللغة العربية خلال الأعوام الماضية، من أجل غزو المجتمعات فكريا وتجاريا، إلا أن عام 2019 كتب وفاة الدراما التركية عربيا وأفول نجمها، لتعود الدراما العربية على اتساع لهجاتها إلى الصدارة مجددا.

غزو فكري
يروي حمود الشايجي الدبلوماسي والكاتب في مقال له نشر قبل أسبوعين في "الجريدة" الكويتية، أنه اكتشف حملة إعلانية كبيرة ممتدة تقريبا في أغلب الشوارع الرئيسة في العاصمة الصربية بلجراد، التي كان يعمل فيها دبلوماسيا، ولم يكن الإعلان لمنتج تجاري عادي، بل كان لمنتج مدروس الأبعاد والتأثير أكثر من غيره، كان لمسلسل "حريم السلطان"، المسلسل التلفزيوني التركي التاريخي صاحب المواسم الأربعة، ويقدم صورة متخيلة عن حياة السلطان العثماني سليمان القانوني، واستطاع القائمون على المسلسل أن يشدوا المشاهد بأنه سيدخل في الحياة الخاصة للسلطان سليمان، وهذا ما شد الجمهور الصربي المعادي لهذا السلطان، الذي غزا بلجراد نفسها، واستمر حكمه لها، ومن بعده سلاطين دولته العثمانية قرابة 500 عام.
يكمل الشايجي، أن المسلسل استطاع أن يكون بوابة مهمة سهلت على الحكومة الصربية فتح مجالات متعددة لكثير من الشركات التركية، سامحة بدخولها إلى الساحة الاقتصادية الصربية، فصارت علاقة الدولتين أكبر، وهذا ما لوحظ في ازدياد المشاريع الضخمة التي قامت بها تركيا في صربيا، مستدلا على ذلك بما حققته الدبلوماسية الثقافية والفنية للأتراك، التي تروج للدول والأفكار.
ولعل ما حدث في صربيا، يؤكد نظرية القوة الناعمة التي حققت انتشارا في العقدين الماضيين على يد جوزيف ناي أستاذ العلوم السياسية الأمريكي، الذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع، وأكد أن بمقدور القوى الناعمة أن تجعل الناس أو الدول ترغب فيما أنت راغب فيه، مع القدرة والاعتماد على قوة الجذب والإقناع، وبحسب قوله، "فإن جدار برلين كان قد اختُرق بالتلفزيون والأفلام السينمائية قبل زمن طويل من سقوطه عام 1989".
وفقا لكتاب ناي الصادر في عام 2004 "القوة الناعمة.. وسيلة النجاح في السياسة الدولية"، فإن بعض الدول مثل "قطر" -التي تعد قناة الجزيرة مصدر قوتها الناعمة- تمكنت من تضليل المشاهدين والمجتمع، وأصبح البعض متعاطفا مع "تنظيم القاعدة" الإرهابي بعد بث تقارير موجهة حول ضحايا الحروب والإرهاب كرد فعل، وأكد في جزء آخر من كتابه أن الأفلام والسينما هي أحد أهم الأسباب لازدياد معدلات الهجرة إلى أمريكا.

الدراما المصرية والكويتية
بالمثل، نجحت الدراما المصرية والكويتية في العقود الثلاثة الماضية في أن تكون رافدا اقتصاديا للدولتين، فالدراما الكويتية وعمالقتها كانت أحد المؤثرين في الجمهور العربي، ولا سيما الخليجي، فمسلسل "درب الزلق" على سبيل المثال لا يزال عالقا في ذهن المشاهد، بأبطاله وكاتبه ومخرجه، وكذلك أعمال الراحل عبدالحسين عبدالرضا، مرورا بالأعمال الكوميدية التي كانت بمنزلة أحد تقاليد شهر رمضان المبارك، خصوصا أعمال الفنان داود حسين، الذي كان يشكل ثنائية ناجحة مع الفنانة انتصار الشراح.
الأمر سيان بالنسبة إلى السينما والدراما المصرية، التي نجحت في ربط المشاهد العربي بمصر وفنانيها، مثل مسلسل "ليالي الحلمية" بأجزائه، ومسلسلات "الحج متولي" و"رأفت الهجان" و"لن أعيش في جلباب أبي"، التي لا تزال مرتبطة بذاكرة المشاهد، وجعلت بدبلوماسيتها من اللهجة المصرية لهجة محببة إلى المشاهد، يتقنها وإن لم يزر مصر.
وبحسب المعطيات الحالية، فإن عودة أمجاد السينما المصرية مرجحة بقوة، خصوصا مع التطور اللافت الذي شهدته نوعية الأفلام والنصوص وأداء الممثلين، وكان ذلك جليا من خلال مجموعة من الأفلام التي حققت جماهيرية كبيرة في فترة زمنية وجيزة، مثل "الممر، الفيل الأزرق، ولاد رزق"، وتجاوزت إيراداتها مائة مليون جنيه، ووجدت إقبالا من الجمهور العربي، ومنه الجمهور السعودي في الآونة الأخيرة.
ويحسب للسينمائيين المصريين أنهم كانوا أحد أهم القوى التي تصنع التغيير في المجتمع المصري والعربي، إذ ناقش إنتاجهم قضايا فكرية وثقافية واجتماعية أسهمت في تنمية الوعي، وعالجت موجات العنف والإرهاب التي تؤثر في الاقتصاد والاستقرار السياسي، فيما كان العنوان العريض للدراما المصرية خلال عام 2019 محاربة الإرهاب والجماعات المتطرفة، من خلال مجموعة من الأعمال البوليسية والأكشن، التي أسهمت في تعزيز صورة جهاز المخابرات العامة المصرية، وإن كان بعض هذه القصص غير واقعي بدرجة كبيرة.

وُلد ملكا
يقول المثل الشهير "أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا"، ربما هذا الأمر ينطبق على الدراما السعودية، التي لم تكن بالمستوى الذي تطمح إليه على الساحة العربية، وتكاد تكون الأعمال الدرامية العالقة في تلابيب عقل المشاهد العربي تعد على أصابع اليد الواحدة، إلا أنها خلال الأعوام الأخيرة تمكنت من حجز مقعد مهم في الساحة، من خلال أعمال ناجحة ومكلفة مثل "العاصوف".
أما على مستوى الأفلام، فقد نجح فيلم "وُلد ملكا" في تسليط الضوء على القصص التي لم ترو بعد في المملكة، مثل قصة الملك فيصل -رحمه الله-، الذي تم بممثلين سعوديين وأجانب، وفاز بجائزة أفضل فيلم روائي في مهرجان INWARD EYE FILM الذي أقيم أخيرا في مدينة آمبيلسايد شمال إنجلترا، حيث يتناول الفيلم حياة الملك فيصل المبكرة، وزيارته بريطانيا في عام 1919 وعمره وقتها 13 عاما، والاجتماع مع الملك جورج الخامس ملك إنجلترا تلبية لدعوة الملك، ممثلا عن والده الملك عبدالعزيز.
وعلى خطى "ولد ملكا"، تسير مجموعة من الأفلام السعودية على الطريق ذاته، مثل فيلم "مسامير" الذي يعرض في صالات السينما في يناير 2020 بشخصياته الكرتونية التي لقيت إعجابا في دول الخليج، فضلا عن مجموعة من الأفلام السعودية التي نالت جوائز عالمية، مثل فيلم "سيدة البحر" للمخرجة السعودية شهد أمين، الذي حصد جائزة "التانيت البرونزي" لمسابقة الفيلم الروائي الطويل لمهرجان أيام قرطاج السينمائية، وثلاث جوائز أخرى خلال مهرجان الرباط الدولي، وأفلام سعودية أخرى كان وراءها مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي "إثراء"، ونالت جوائز عالمية، ونقلت صورة حضارية راقية عن المجتمع السعودي، وكانت خير سفير في المحافل الدولية، ودافعا للسياح لاكتشاف كنوز هذه الدولة الحضارية.
ويتوقع أن يحمل عام 2020 مجموعة من الأفلام السعودية والدراما التلفزيونية المتميزة، إذ أطلقت وزارة الثقافة برامج لتمويل الأفلام السعودية وأخرى لدعم المواهب السعودية، سواء كانوا كتابا أو ممثلين ومخرجين، إضافة إلى مركز "إثراء" ومؤسسة "مسك" وجهات أخرى، من أجل نشر الثقافة السعودية ونقل الوجه المشرق والمضيء إلى العالم، والمساهمة في صناعة سينما قوية، كإحدى القوى الناعمة المؤثرة في المجتمع والمنطقة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون