ثقافة وفنون

منع السيرك .. جرائم في حق الإنسان لا يسقطها الرفق بالحيوان

تغنى جانب كبير من أنصار حركة حقوق الحيوان الأوروبية بقرار بلدية باريس قبل أيام، القاضي بوقف منح تراخيص استغلال الأراضي لفرق السيرك، التي تقدم عروضا مع الحيوانات البرية، واصفين ذلك بالإنجاز النوعي والتقدم الأخلاقي المرغوب فيه من جميع الفرنسيين. سبق لولاية نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، قبل نحو عامين، أن اتخذت قرارا مماثلا، منتصف عام 2017، بإعلانها إيقاف عروض سيرك "رينجلينج بروس" العالمي الشهير، بعد 146 عاما من العروض المتواصلة.
إجراءات فرضها تنامي الوعي بالخطاب الذي تنشره جمعيات الرفق بالحيوان، فبغية تدجين هذه الحيوانات، وتدريبها على إتقان الأدوار المسندة إليها في العروض، تتلقى أصنافا مختلفة من التعذيب والمعاملة القاسية، في مرحلة ترويضها وفي تدريبات ما قبل العرض، لذا على المتفرجين –بحسب هذه الجمعيات– وهم ينتشون بأداء هذه الحيوانات؛ حركة ورقصا واستعراضا، أن يتذكروا ما وراء تجسيد هذه اللحظة من ضروب القسوة والمعاناة في مرحلة التلقين.
تجاوزت دعوات هذه الجمعيات حيوانات السيرك نحو "التشهير" بدول تحظى بسجل سيئ في التعامل مع الحيوانات، داعية العالم إلى مقاطعة السياحة في بلدان "الهند، إندونيسيا، تايلاند، كمبوديا، نيبال، سريلانكا..." تشتهر بعروض للسياحة البرية، تقدم فيها تجارب للتعامل مع الحيوانات البرية عن قرب، الأمر ذاته ينطق على روسيا، حيث عروض التصوير واللعب مع الحيوانات المفترسة، من قبيل الدببة والذئاب والثعالب.
وصل تيار من هؤلاء مستوى الترافع ضد فكرة حدائق الحيوانات، التي تقدم كمأوى توضع فيها الحيوانات المهددة بالانقراض، لحمايتها وضمان بقائها على قيد الحياة، فيما الحقيقة شيء آخر، فأصحاب الحدائق يحتجزون الحيوانات خلف القضبان، من أجل جني الأرباح من الزوار. ويذهب تقرير لإحدى الجمعيات إلى أن ثلثي الحيوانات الموجودة في الحدائق داخل القارة الأوروبية غير مهددة بالانقراض، علاوة على تعرض هذه الحيوانات للإبادة؛ من قبل المشرفين على هذه الأماكن، متى ما كان هناك فائض في العدد بسبب الإنجاب.
أما فكرة تقديم حدائق الحيوان كأفضل الطرق للتعرف على كيفية عيشها، فمردود عليها -بحسب حماة حقوق الحيوان- لأن بقاءها قيد الاحتجاز، وأحيانا منحها أدوية مخدرة، يؤدي إلى تغيير في سلوكياتها، لذا يبقى ما يقدم في البرامج والأفلام الوثائقية أفضل بكثير من الحدائق والمحميات، لمعرفة الكثير عن حياة الحيوانات، لأنها هناك في مكانها الطبيعي تمارس حياتها على سجيتها، وفق الفطرة التي جبلت عليها.
من حق المدافعين عن حقوق الحيوان الاحتفاء بإنجازاتهم، وتسويقها كدرجة من درجات تحضر الإنسان الأوروبي، ورقيه في مدارج المدنية والتطور، لكن الانسياق وراء هذا المنجز لا ينبغي أن ينسينا ممارسات أجداد حقوقي اليوم؛ فالأراضي ذاتها التي تسجل بفخر نجاحها في منع إقامة عروض لسيرك الحيوانات اليوم كانت قبل قرنين تعج بحدائق "الحيوانات البشرية" Humans Zoo، في أبشع منظر يمكن للمرء أن يتخيله.
مع تنامي موجات الحركة الاستعمارية التي امتدت في أصقاع الكرة الأرضية، اكتشف الأوروبيون مناطق نائية في هذا العالم، وقرروا أن ينقلوا عينات مما اكتشفوه في هذه الأماكن، في القارتين الإفريقية والآسيوية، للتقديم والعرض في دولهم الأصلية، فكانت "الأصناف الجديدة" من السلالات البشرية، من جملة ما يعرض في "حدائق الحيوانات البشرية"، أمام جمهور غفير من مواطني دول القارة الأوروبية.
كانت بداية هذا النوع من الحدائق المشؤوم مع عائلة ميديشي؛ إحدى أشهر عائلات فلورنسا المعروفة بتجارة الصوف وصاحبة مصرف ميديشي الشهير، التي أقامت أول حديقة من هذا النوع في الفاتيكان، وكانت من كبرى "حدائق الحيوان البشرية" التي عرفها التاريخ، حيث ضمت إلى جانب الحيوانات الغريبة عن المنطقة الأوروبية، مجموعات بشرية منتمية إلى عروق مختلفة مثل الهنود والأفارقة.
لكن هذه الفكرة لم تلق رواجا كبيرا إلا في النصف الثاني من القرن الـ19، حيث بدأت حديقة ضواحي باريس، بالتنسيق مع بي تي بارنوم متعهد حفلات أمريكي، تقديم عروض باسم "المتوحشين البدائيين" عام 1870، ضمت أعراقا مختلفة ممن جلبوا قسرا من موطنهم، مثل سكان لابلاند والإسكيمو والكونغوليين وشعب الكالميك والصوماليين والإثيوبيين والنوبيين من أعالي النيل، وسكان أستراليا الأصليين، ومحاربي الزولو، وشعب مابوتشي من الهنود، وسكان جزر أندامان من جنوب المحيط الهادئ، إضافة إلى الصيادين من بورنيو... والقائمة تطول.
تحول الأمر تدريجيا لصبح على غرار عروض السيرك، حيث تنتقل "حدائق الحيوانات البشرية" بين المدن الأوروبية الكبرى، إذ يعمد مالك الحديقة إلى جدولة برنامج لجولته الاستعراضية، مستغلا فورة الجرائد الورقية، من أجل الإعلان عن مواعيد عرض عينات من "الإنسان البدائي" أمام أنظار الأوروبيين المتحضرين، ممن يدفعون المال نظير مشاهدة هذه العروض.
ظلت المسألة على حالها حتى الأمس القريب، فقد يستغرب القارئ حين يعلم أن دولة مثل النرويج التي تقدم نفسها حاملة مشعل الحقوق والحريات اليوم دشنت حديقة للحيوانات البشرية عام 1914 في العاصمة أوسلو، التي ضمت ما لا يقل عن 80 رجلا إفريقيا استقدموا من السنغال، لقيت إقبالا جماهيريا منقطع النظير، وكانت باريس قبل ذلك بأعوام، قد نظمت معرضا دوليا لـ"حدائق الحيوان البشرية" عُرض فيه 400 رجل إفريقي، حضره ما لا يقل عن 18 مليون شخص.
سياق استعادة جوانب من هذا التاريخ المشؤوم هو الرغبة في تأكيد استمرارية التاريخ الإنساني لدى كل شعب، فالمنجزات الأوروبية على الصعيد الحقوقي اليوم لا ينبغي لها مطلقا أن تمحو من ذاكرتنا جرائم الأمس؛ فتحمل "خطايا" الأجداد عبر التاريخ، لا يسري على العرب والمسلمين فقط، إنما أيضا على الأوروبيين والغربيين، وفق القاعدة الفقهية "الغنم بالغرم"، فقبول التاريخ لا ينبغي أن يخضع للانتقائية لديهم والإلزامية لدينا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون