النظام المالي والسرعة في النمو

|


بالنظر إلى أن الحكومات التي تسيطر على أكبر المصارف في بعض الاقتصادات الآسيوية، هناك تساؤل يطرح نفسه وهو كيف ستتغير مشاركة القطاع العام مع مرور الوقت؟ في منطقة هونج كونج الإدارية الخاصة وسنغافورة، وكذلك أستراليا ونيوزيلندا، تؤدي المصارف العامة دورا ضئيلا للغاية. لكن في اقتصادات آسيا المتقدمة الأخرى مثل اليابان وكوريا، لا يزال القطاع العام أكبر مما هو عليه في عديد من الاقتصادات الغربية، خاصة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
وفي المتوسط، كانت المصارف العامة في جميع البلدان وعبر الزمن أقل ربحا وابتكارا من المصارف الخاصة، ما يعني ميزانيات عمومية أكثر مخاطرة وأقل ربحا في بلدان عديدة.
ويمكن أن تكون المصارف العامة أدوات مفيدة لصانعي السياسات في الحكومات. لكنها في المتوسط، تؤدي إلى ممارسات مصرفية غير كفؤة، ومطالبات مستمرة بالحصول على مزيد من رأس المال للحفاظ على حصة المعاملات المصرفية العامة وإنقاذ الحكومات.
وستعتمد كيفية معالجة صناع السياسات في المنطقة للمصارف العامة على ظروف كل اقتصاد ومصرف. لكن على المدى الطويل، من غير المرجح أن توفر النظم المالية التي تهمين عليها المصارف التابعة للحكومات النظم المالية التنافسية والكفؤة اللازمة للتغلب على التحديات التي تواجه النمو في آسيا.
ومن العوامل الرئيسة الأخرى لهذه المشكلة: زيادة التكامل المالي. ذلك أن الجمع بين المدخرات في البلدان التي تشهد شيخوخة أكبر للسكان وبين المشاريع الاستثمارية في اقتصادات آسيا الأكثر حداثة سيتطلب نموا سريعا في التدفقات المالية عبر الحدود. كذلك يريد المدخرون تنويع مخاطرهم، وهو ما يمكن تحقيقه، على سبيل المثال، عن طريق السماح للمستثمرين الكوريين بتوزيع مخاطرهم على السوق المالية في بلدهم والأسواق المالية في الهند وتايلاند. وفي الوقت الحالي، معظم الأصول التي يمتلكها المستثمرون الآسيويون في الخارج موجودة في الاقتصادات المتقدمة، خاصة في شكل ديون حكومية سائلة.
لكن يجب أن يتغير هذا الوضع. ونتوقع أن تصبح الاقتصاد الآسيوية أكثر تشابكا ويشتري المستثمرون أصولا أكثر فأكثر في بلدان أخرى على مدى الـ20 عاما المقبلة. وينطبق ذلك بشكل خاص على جنوب شرقي آسيا حيث تتعاون بلدان رابطة أمم جنوب شرقي آسيا لتحقيق مزيد من التكامل بين اقتصاداتها.
ومن المتطلبات الرئيسة الأخرى، ستكون هناك حاجة إلى تخفيف القيود المفروضة على الحساب الرأسمالي في الصين والهند. فالحساب الرأسمالي للهند والصين الآن مغلق بشكل أكبر من الحسابات الرأسمالية في بقية المنطقة. لكن البلدين يخففان القيود تدريجيا وتعتزم الحكومتان مواصلة هذا التحرير، الذي سيساعد المدخرين على إيجاد مزيد من المنافذ في الخارج ويسمح للمستثمرين الأجانب بتنويع استثماراتهم على نحو أكثر فعالية عن طريق شراء الأصول الصينية والهندية. وإذا أصبحت الصين والهند على القدر نفسه من الانفتاح عام 2023 الموجود في بعض الاقتصادات المتقدمة الآن، فإن تقديراتنا تشير إلى أن إجمالي حجم القطاع المالي فيهما سيكون أكبر بنسبة 10 إلى 30 في المائة ما إذا ظلا على المستويات الحالية نفسها من الانفتاح.
ويتوقع أن تصبح النظم المالية الآسيوية أكبر حجما وأكثر تعقيدا وترابطا بكثير عما هي عليه الآن. ولضمان ألا تؤدي هذه التغيرات إلى تراكم المخاطر التي أسقطت بعض البلدان في المنطقة خلال الأزمة المالية الآسيوية وأدت إلى ضعف الاقتصاد العالمي خلال الأزمة المالية العالمية، فإن على الأجهزة التنظيمية والرقابية في آسيا توخي اليقظة. وينطبق ذلك أيضا على صندوق النقد الدولي الذي يأمل أن يعمل عن قرب مع البلدان الآسيوية على تحديد المخاطر وتخفيضها إلى أدنى حد قبل أن تتحقق من أجل تجنب أخطاء الأزمات السابقة.
ويمكن أن تسمح النظم المالية الأكثر ترابطا للأسر المعيشية وصناديق المعاشات التقاعدية، ضمن عوامل أخرى، بالتنويع وبالتالي خفض المخاطر التي تواجهها، لكنها يمكن أن تؤدي أيضا إلى انتشار حالات الإفلاس وتعثر المصارف عبر الحدود. وقد أصبح التعاون في مجال التنظيم أساسيا نظرا لزيادة التكامل بين القطاعات المالية في العالم. وأمام آسيا دور نشط عليها أن تؤديه في المنتديات الدولية لضمان أن تستمر هذه العملية بأمان.
ولحسن الحظ، فإن آسيا معتادة على التغيير. وبعد الأزمة المالية الآسيوية، تحركت حكومات المنطقة والأجهزة الرقابية والنظم المالية بسرعة لحل مشكلات من قبيل الإفراط في الاستدانة والاقتراض الخارجي دون تحوط وأدت إلى تفاقم ضرر الأزمة. وسددت المصارف الآسيوية بسرعة ديونها في حين كفلت الأجهزة الرقابية ألا تنشأ هذه الاختلالات مرة أخرى. وقد ساعدت هذه التغيرات المنطقة على الصمود أمام الأزمة المالية العالمية بشكل أفضل وأثبتت أن آسيا حاذقة وقادرة على التغير مع الزمن.
ومع استمرار آسيا في التفوق على العالم في النمو الاقتصادي، فإن السؤال سيكون كيف يمكن ضمان أن يصبح النظام المالي الأسرع نموا في العالم هو أيضا الأكثر أمنا؟

إنشرها