FINANCIAL TIMES

التسهيل الكمي «الأخضر» وحده لن ينقذ الكوكب

في اليوم الأول من تولي كريستين لاجارد منصب رئيسة البنك المركزي الأوروبي، يوم الجمعة، ظهر محتجون في تظاهرة عند مقر البنك في فرانكفورت رفعوا خلالها لافتة كتبوا عليها "لو كانت الأرض مصرفا لأنقذتموها".
ربما وجد النشطاء في هذا الحشد المكون من 150 شخصا حليفا للاجارد، التي ذكرت أخيرا أنها تريد جعل تغير المناخ أولوية "مهمة للغاية"، الموقف الذي زاد الآمال أن البنك المركزي يمكنه تعزيز عمليات شراء السندات الخضراء لرفع مستوى التضخم وإنقاذ الكوكب في آن معا.
لكن هذه الآمال تواجه عددا من التحديات، ليس أقلها من داخل البنك المركزي الأوروبي نفسه. ويخشى بعض مستثمري القطاع الخاص الخروج من سوق صغيرة، لكن متنامية في حال تدخل البنك المركزي.
قال تريفور ألين، محلل أبحاث الاستدامة في "بي إن بي باريبا": "لا توجد عمليات إصدار كافية للسندات حتى الآن، وسينتهي بهم المطاف إلى امتلاك كثير منها". يعتقد ألين أن التدخل الكبير للبنك المركزي الأوروبي ربما يبطل قدرة الأسواق على تسعير مخاطر المناخ بدقة، ما يمنع بعض المستثمرين من المشاركة. قال: "يريد البنك المركزي الأوروبي أن يكون مثالا، ولا يريد تحويل السوق بمفرده".
إضافة طابع أخضر إلى برنامج لشراء السندات بقيمة 20 مليار يورو شهريا، الذي أعاد البنك المركزي الأوروبي تشغيله هذا الشهر، يعد احتمالا مغريا في نظر بعضهم.
قالت لوكريزا ريشلين، أستاذة الاقتصاد في كلية لندن للأعمال والرئيسة السابقة للأبحاث في البنك المركزي الأوروبي، إن لاجارد يمكنها النظر حتى في "توجيه عمليات شراء الأصول لمعالجة تغير المناخ" من خلال تفضيل السندات الخضراء في برنامج التسهيل الكمي الذي أعيد إحياؤه.
ديرك شونماكر، من كبار الزملاء في مركز أبحاث بروجيل وأستاذ في جامعة إراسموس روتردام، دعا البنك المركزي الأوروبي إلى اعتماد نظام "إمالة" لرفع حصة الأصول التي تقلل من انبعاثات الكربون في محفظة سندات الشركات البالغة 200 مليار يورو وإجراء "تخفيضات" عقابية على الضمانات المصرفية التي تزيد انبعاثات الكربون.
لكن "التسهيل الكمي الأخضر" يبقى فكرة مثيرة للجدل. ينس فيدمان، رئيس البنك المركزي الألماني، قال الأسبوع الماضي إنه سيرد "بشكل رافض تماما" لهذه السياسة، مضيفا أن مثل هذه القرارات يجب أن تترك للسياسيين، وليس إلى محافظي البنوك المركزية غير المنتخبين.
اشترى البنك المركزي الأوروبي السندات الخضراء في إطار الجولات السابقة من شراء الأصول. في نهاية العام الماضي كان قد اشترى 24 في المائة من مجموعة سندات القطاع العام الخضراء الصالحة، التي تبلغ 48 مليار يورو، و20 في المائة من مجموعة سندات الشركات الخضراء الصالحة التي تبلغ 31 مليار يورو، حسبما قال بينوا كوريه، عضو المجلس التنفيذي في البنك المركزي الأوروبي.
مع ذلك، شراء السندات الخضراء بكميات كبيرة سيكون أمرا صعبا. على الرغم من أن إصدار السندات الخضراء ينمو بسرعة، إلا أنها تظل صغيرة مقارنة بالحجم الكلي لأسواق الديون. شركات وحكومات منطقة اليورو باعت 66 مليار دولار من السندات الخضراء حتى الآن هذا العام، وهي زيادة كبيرة منذ عام 2018، لكنها لا تزال تمثل نحو 5 في المائة فقط من إجمالي عمليات الإصدار.
وجود البنك المركزي الأوروبي في الأسواق شجع بالفعل مزيدا من المصدرين على بيع الديون الخضراء، وفقا لما لميتش ريزنيك، رئيس الإيرادات الثابتة المستدامة في شركة هيرميس لإدارة الاستثمارات. لكن التحرك بسرعة كبيرة ينطوي على خطر التأثير في تعريف ما يشكل سندا أخضر. ويضيف: "قوة كبيرة لها جيب عميق مثل البنك المركزي الأوروبي ستخفف من اخضرار سوق السندات الخضراء. وقد يتبع المصدرون الانتهازيون التيار الشائع".
يجادل المدافعون عن التمويل الأخضر بأنه يجب أن يتجاوز الصناعات الواضحة، مثل الألواح الشمسية ومزارع الرياح، ليشمل ما يسمى السندات الانتقالية التي تشجع الصناعات الضارة على أن تصبح أكثر اخضرارا.
مثل هذه الأصول يمكن أن تكون مثيرة للجدل بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، كما يجادل ألين، من "بي إن بي باريبا"، قائلا: "إذا كان لديك شركة تعدين ترغب في تمويل استخدام الطاقة المتجددة في عملياتها، فلن يعد أحد ذلك سندا أخضر. لكنه جزء من حل خفض أثر الكربون الإجمالي. هناك دائما خطر يهدد السمعة مرتبط بـ(السندات الخضراء). ولا يوجد سبب كي لا ينطبق ذلك على البنوك المركزية أيضا".
من المفترض أن يساعد تعريف الأصول الخضراء على نطاق الاتحاد الأوروبي، قالت لاجارد إنها تنتظر الاتفاق على هذا "التصنيف" قبل دراسة كيفية التعامل مع الأصول الخضراء في إطار برنامج التسهيل الكمي.
حتى لو كانت رئيسة البنك المركزي الأوروبي الجديدة قد وجدت سبيلا إلى ذلك، فإن تأثير التسهيل الكمي الأخضر قد ينتهي إلى إصابة المحتجين بخيبة أمل. يشير باتريك هونوهان، محافظ البنك المركزي الإيرلندي السابق، الذي كتب أخيرا ورقة لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي تدعم فكرة التسهيل الكمي الأخضر، إلى أن نوع التحول نحو السندات الخضراء التي يتم النظر فيها بعيد كل البعد عن الإنفاق الهائل للبنية التحتية الخضراء التي يمولها البنك المركزي الذي دعا إليه بعض مؤيدي "الصفقة الجديدة الخضراء".
ألقى هونوهان الضوء على دراسة توضح أن التسهيل الكمي الذي طبقه البنك المركزي الأوروبي قلص العوائد على السندات الصالحة 0.15 نقطة مئوية، وهو تراجع ملحوظ، لكنه نقطة في بحر مقارنة بانخفاض العائد 5 نقاط مئوية خلال العقد الماضي. ويشير إلى أن عمليات شراء الأصول تركز على الشركات ذات التصنيف العالي التي يمكنها تمويل نفسها بشكل مريح في الأسواق دون دعم البنك المركزي. وقال إن التسهيل الكمي الأخضر لن يفعل شيئا من أجل بدء أعمال جديدة لتطوير تكنولوجيا جديدة ثورية.
"بالنسبة إلى نشطاء تغير المناخ، فإن ما يجري الحديث عنه يعد محدودا إلى حد ما. التسهيل الكمي الأخضر لن ينقذ الكوكب بحد ذاته".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES