ثقافة وفنون

كتابة التاريخ العربي دراميا .. الجانب الآخر للقصة

بعد عشرة أيام، سيرى النور أضخم الأعمال التاريخية العربية، مع بث أول حلقات الدراما التاريخية "ممالك النار"، الذي يعيد إلى الأذهان الممارسات الهمجية للعثمانيين تجاه العرب، ودمويتهم واستبدادهم، واستغلال حقوق الشعوب، وسرقتهم التاريخ العربي والإسلامي.
لعل هذا العمل أحد الأعمال الدرامية المنتظرة، التي تكتب تاريخ العرب الحقيقي من موقعهم كشاهد ومؤثر، بعد أن خرجت أعمال درامية عدة في الأعوام الأخيرة تكتب التاريخ من منظور المحتل، لتعمل على تزيين التاريخ المظلم، وإظهار المعتدي كمخلّص ومنقذ، على حساب المظلوم والمعتدى عليه.

جواسيس إسرائيل
خلال الأعوام الأخيرة، حاول الإسرائيليون، وحذا حذوهم الأتراك، أن يلمعوا صورتهم في العالم، ولا سيما العالم العربي، فالإسرائيليون كتبوا قصص جواسيسهم وأبطالهم وحروبهم بالشكل الذي يخدم التاريخ والصورة أمام الأمم، مثل فيلم "الملاك" الذي جسد سيرة أشرف مروان رجل الأعمال المصري، سكرتير الرئيس الأسبق محمد أنور السادات وزوج منى ابنة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
فالفيلم، الذي بث على شبكة "نتفليكس"، أظهر مروان جاسوسا، عمل لمصلحة المخابرات الإسرائيلية "الموساد"، وقدم لهم معلومات قيمة عن مصر في الفترة من 1969 حتى 1975، وهي قصة مقتبسة عن رواية أوري بار جوزيف أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي والخبير في شؤون الاستخبارات، أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا الخبير في شؤون الاستخبارات وكتابه بعنوان "الملاك.. الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل"، وزعمت أن مروان حذر إسرائيل من الهجوم المباغت في حرب 1973.
وبقي أشرف مروان لغزا كبيرا في حياته، فهو الرجل الذي خدم بلاده في عدة مناصب تولاها، منذ أن كان ضابطا في الجيش، ثم مساعدا لعبد الناصر، والمستشار السياسي والأمني للسادات، وضلل إسرائيل، وكان طعما لهم، بحسب الرواية المصرية الرسمية، ورحل منتحرا في لندن قبل 12 عاما.
وفي قصة موازية، يظهر مسلسل "الجاسوس"، الذي تعرضه شبكة "نتفليكس" أيضا، ويتناول حياة إيلي كوهين الجاسوس الإسرائيلي المعروف باسم "كامل أمين ثابت"، ويتبنى نظرية أن البطل الإسرائيلي الذي استطاع أن يخترق الطبقة السياسية السورية، في حياة مليئة بالفساد والتآمر والممارسات غير الأخلاقية والمغالطات التاريخية والسقطات الفنية.
استند المسلسل ذو الحلقات الست إلى الكتاب الفرنسي "الجاسوس الذي جاء من إسرائيل"، مستفيدا من غياب الرواية السورية الرسمية، وأظهر كوهين مخترقا المجتمع عبر سهرات المجون، وسليلا غنيا من الشتات السوري، ليصادق شخصيات نافذة في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يُعدم في ساحة المرجة في دمشق عام 1965.
يعد الإسرائيليون إيلي كوهين جاسوسا بطلا نتيجة المعلومات المهمة التي قدمها وساعدت على احتلال الجولان عام 1967، لكن المسلسل الذي ظهر مترجما إلى عدة لغات منها العربية، جاء حاملا عديدا من الأحداث غير المنطقية والسقطات الفنية، فيما تروي شخصيات معاصرة ومؤرخون أن كوهين كان جاسوسا فاشلا، إذ قبض عليه متلبسا يرسل معلومات باستخدام شفرة مورس، لكنه صوِّر كشخصية أسطورية، عرض عليه منصب نائب وزير الدفاع السوري، إلا أن الحقائق تؤكد أن هذا المنصب لم يكن موجودا، بل استحدث لاحقا في عهد الرئيس حافظ الأسد، كما أن صناع الكذبة لم يتنبهوا إلى عدم منطقية عرض منصب عسكري على شخص مدني في ذلك الوقت الحساس.

الأتراك وتزوير التاريخ
الأتراك بدورهم، ذهبوا إلى تلميع صور زعمائهم والقادة العثمانيين، وأفعالهم الدموية، التي لا تزال ذاكرة الشعوب العربية تضج بها، وتتذكر أيضا أحداثا مريرة مليئة بالظلم والاحتلال واستغلال الخيرات والحقوق والآثار.
تنبهت تركيا متأخرا إلى تأثير الأعمال الدرامية في الشعوب العربية، خصوصا بعد مسلسل "حريم السلطان" عام 2011، إذ رفض حينها الرئيس التركي أردوغان محتوى المسلسل، بدعوى أنه يشوه صورة سلطان عثماني، لتنطلق بعدها مجموعة من الأعمال التي تمجد السلطان والدولة، خصوصا بعد تصريحه الشهير "أنا لا أعرف شخصية السلطان سليمان القانوني التي يظهرها المسلسل، فالسلطان قضى 30 عاما من عمره على ظهر الخيول في إطار الحروب والفتوحات التي خاضها".
ومن المسلسلات التي لقيت دعما حكوميا تركيا مسلسل "قيامة أرطغرل"، يتناول قصة أرطغرل بن سليمان الشاه، والد عثمان الأول مؤسس الإمبراطورية العثمانية، وزار أردوغان أماكن تصويره دعما له، ويصور الرجل التركي كبطل وتركيا كأعظم دول التاريخ، ويصور السلطان التركي مخلّصا للمسلمين من الأعداء، لكنه بشكل أو بآخر لم يتمكن من إخفاء نزعة سمو العرق التركي التي يحاول الأتراك أن يخفوها من تاريخهم وكانوا يتباهون بها، وبينت ما كان يعانيه المسلمون من تهميش للأعراق وحضاراتهم وتاريخهم، وصبغ القومية التركية بصبغة دينية.
كما قدمت الدراما التركية مسلسلات أخرى لتبرئة ساحة السلاطين مما حدث في عهدهم ومحو الصورة النمطية السابقة عنهم، ودس السم في العسل، مثل سيرة السلطان عبدالحميد الثاني في مسلسل "عاصمة عبدالحميد"، الذي قدمته كبطل لا سفاح، فيما يروي التاريخ عكس ذلك.
أما مسلسل "وادي الذئاب"، فقدم حلقاته حول دور المخابرات التركية في المنطقة، ولم ينل نجاحا كافيا إلا بعد عرضه على الشاشات العربية، وكان يحاول أن يرسخ صورة إيجابية، بدوافع سياسية.

فضح التاريخ الدموي
عطفا على بدء، وعودة إلى مسلسل "ممالك النار" الذي يفضح التاريخ الدموي للعثمانيين، ويتناول أحداثا من الحقبة الأخيرة من دول المماليك، ومواقف السلطان المملوكي طومان باي في القاهرة قبيل سقوطها على يد العثمانيين في بدايات القرن الـ16، ومواجهته المحتل العثماني سليم الأول، ويستعرض بشكل دقيق التحولات الكبرى التي طالت المنطقة العربية بعد معركة جالديران بين الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول والدولة الصفوية في إيران التي انتهت بهزيمة الصفويين، لتمتد أحداث المسلسل إلى معركة مرج دابق التي وقعت بين العثمانيين والمماليك بقيادة قنصوة الغوري التي هزم فيها المماليك، في حقبة تاريخية مهمة غابت عن الدراما العربية والعالمية.
المسلسل الذي ينطلق على شاشة MBC في 17 نوفمبر، يعرض أيضا على شبكة البث الرقمي "نتفليكس"، ببطولة نخبة من نجوم الدراما العربية، صوِّر في تونس، ويتميز بالمؤثرات البصرية المبهرة والمعارك الضخمة، وحقائق ثابتة حدثت على أرض الواقع.
كتب العمل المؤلف محمد سليمان عبدالملك، ويخرجه بيتر ويبر البريطاني، بطولة خالد النبوي الذي يجسد دور "طومان باي".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون