FINANCIAL TIMES

إعادة تشكيل اقتصاد العالم جذريا رهن "الصفقة الخضراء"

جوناثان فورد من نيويورك
منذ أن بدأ عالم ناسا الشهير جيمس هانسن في إصدار تحذيرات عامة وخيمة، بشأن مخاطر التغير المناخي من صنع الإنسان في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، كان السؤال نفسه يطارد مناصري الحملات البيئية: كيف يمكن الحصول على قوة دفع سياسية وراء مشكلة "غير مرئية" وعالمية، لها آثار لن نشعر بها لأعوام كثيرة؟
المحاولات الرامية إلى أن نعهد بالإجابة إلى مصادر خارجية تعطينا صفقة دولية كبرى في العقود التالية، لم تفعل شيئا يذكر لتخفيف أحجام الكربون التي ما زالت تدفع إلى الجو.
البلدان الغنية مثل الولايات المتحدة كانت تعرض عن الالتزام بأهداف عالمية ملزمة، في حين أن اللوائح في البلدان المختلفة قد حولت ببساطة الانبعاثات من البلدان الغنية إلى البلدان التي لديها قواعد بيئية أقل دقة.

مبادرة أمريكية

في وقت سابق من هذا العام، أطلق اثنان من السياسيين الأمريكيين التقدميين وهما: ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وإد ماركي، أحدث محاولة لكسر الجمود السياسي.
ليس هناك خلاف في أن "الصفقة الجديدة الخضراء" ليست برنامجا عمليا بقدر ما هي علامة تجارية سياسية. هل تهدف إلى توفير هذا العامل التنشيط بعيد المنال، من خلال ربط العمل المناخي بفكرة تحقيق عدالة اجتماعية أكبر داخل الولايات المتحدة؟
توفر الصفقة فرص عمل للملايين لتجديد البنية التحتية في الولايات المتحدة، وتوسيع نطاق الرعاية الصحية الشاملة، وتقترح التحول إلى أنظمة الطاقة المتجددة التي تقودها المجتمعات المحلية، بهدف الوصول إلى الطاقة المتجددة بنسبة 100 في المائة في الأعوام العشرة المقبلة.
الهدف من ذلك هو جعل إزالة الكربون مهمة وطنية محددة وليست واجبا دوليا.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تتم فيها الطنطنة لمصلحة "الصفقة الخضراء الجديدة".
على أن النسخة الأصلية، التي أعدها الصحافي الأمريكي توماس فريدمان في عام 2007، لم تكتسب اهتماما يذكر.
بعدّها مهمة من شأنها أن تعزز أمن الطاقة الأمريكي وكذلك (لحسن الحظ) إنقاذ الكوكب، فقد جادلت لمصلحة ثورة تكنولوجية؛ وهي ثورة تمطر فيها الحكومة الحوافز من المالية العامة لاستبدال الوقود الأحفوري، بقوة خضراء غير محدودة.


ماذا عن رؤية فريدمان؟

نسخة فريدمان كانت رؤية صديقة للمستهلكين؛ وهي رؤية تعمل فيها المعرفة الغربية على إنقاذنا، دون أن نضطر في الواقع إلى تغيير أنماط حياتنا كثيرا.
بعد مرور عقد من الزمان، نجد أن أنصار "الصفقة الجديدة الخضراء"، مثل الناشطة نعومي كلاين، هم أقل تفاؤلا بكثير بشأن قدرة - أو إرادة - رأس المال الخاص والتكنولوجيا في الغرب، على حل المشكلات البيئية في العالم.
في كتابها المعنون "الأرض تحترق" On Fire، تناقش ناقدة عولمة الشركات منذ فترة طويلة، لمصلحة إعادة تشغيل اقتصادي أكثر شمولا.
كتبت تقول: "تلعب الأسواق دورا في هذه الرؤية، لكن الأسواق ليست هي أبطال هذه القصة – بل هم الناس. العمال الذين سيقومون ببناء البنية التحتية الجديدة، والسكان الذين سيتنفسون الهواء النقي، والذين سيعيشون في مساكن خضراء ميسورة التكلفة، ويستفيدون من وسائل النقل العام المنخفضة التكلفة (أو المجانية)".
كتاب كلاين عبارة هو مجموعة من المقالات التي نشرت على مدار العقد الماضي، والتي تصور يأسها المتزايد من التدهور البيئي والاستنتاج بأن أي حل يجب أن ينطوي على تغيير اقتصادي جذري وعاجل.
تنتقل القصة من كارثة حفارة النفط في ديب ووتر هورايزن في عام 2010، عبر حرائق الغابات في غرب كندا، وأزمات اللاجئين في إفريقيا والشرق الأوسط وصولا إلى الفاتيكان، حيث يحاول البابا فرانسيس تحقيق "تحويل بيئي" استثنائي.
لقد تركتها هذه الرحلات تعاني انعدام ثقة عميقا في الطريقة التي تخصص بها الأسواق الموارد.
تجادل كلاين بأنه يجب علينا تغيير أكثر من مجرد مصادر الطاقة لدينا؛ يجب علينا السيطرة على رغبتنا في الهيمنة على البيئة الطبيعية - ما تسميه "عقليتنا التوسعية والاستخراجية".

علاقة الإنسانية بالبيئة

هذا جزئيا نقد طويل المدى حول علاقة الإنسانية بالطبيعة. بصفتها كندية، تدرك كلاين تماما تاريخ بلدها، والطريقة التي تعامل بها المستوطنون الاستعماريون الأوائل مع الطبيعة على أنها "المؤن الممنوحة من الله"، فقتلوا أولا الأنواع الأصلية، مثل طيور الأوك والقنادس من أجل الربح، قبل أن يتحولوا إلى الغابات والموارد المعدنية.
وتلوم أيضا العولمة الحديثة على إعاقة العمل المناخي وتركها متأخرة أكثر من اللازم لإجراء تغييرات ذات طابع مباغت أقل.
وتجادل بالقول إن انفجار "الليبرالية الجديدة" في فترة ما بعد الثمانينيات من القرن الماضي، قد قلص من الروح الجماعية اللازمة لإزالة الكربون تماما، في اللحظة التي أصبح فيها من الضروري تماما اتخاذ الإجراءات اللازمة.
وبدلا من ذلك، وضعت العالم على فورة في استخلاص المواد، التي من الصحيح أنها أخرجت مئات الملايين من براثن الفقر، ولكنها شهدت زيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 60 في المائة عن مستويات عام 1990.
وقد فعلت ذلك بناء على ما ترى أنه نشرة خاطئة وبشكل مضلل: "باسم تحرير ’الأسواق الحرة‘ في كل جانب من جوانب الحياة".

حجة كلاين الأساسية هي أن حافزنا الجامح للاستخراج أوجد ما سمته "مناطق التضحية" في أنحاء العالم، مثل مستنقعات لويزيانا بعد ديب ووتر هورايزن، أو البراري السامة التي نشأت نتيجة استخراج رمال القطران، على أراضي فيرست ناشيونال في بلدها الأم كندا.
مثل هذه الأنشطة تضر بوضوح البيئة والذين يعيشون في هذه الأماكن، لكن كلاين تركز أيضا على تأثيرها في نفسية الجناة، الذين يبررون الضرر عن طريق معاملة الضحايا على أنهم "الآخر".
قلقها هو ما يحدث عندما يواجه المستهلكون الغربيون، الذين يحملون المواقف التي من هذا القبيل اضطرابات مناخية حقيقية؛ عندما، مثلا، يعمل ارتفاع درجات الحرارة في الشرق الأوسط (الذي يلامس 50 درجة مئوية في العراق هذا الصيف) على إكراه الناس على الهجرة الجماعية إلى أماكن أكثر اعتدالا.
"هذه هي الطريقة التي’سيتكيف‘ بها العالم الغني مع مزيد من الاضطرابات المناخية: من خلال إطلاق الأيديولوجيات السامة التي تصنف القيمة النسبية لحياة الإنسان من أجل تبرير الانتهاك الوحشي لمساحات شاسعة من الإنسانية. وما يبدأ كوحشية على الحدود سيؤدي بالتأكيد إلى إصابة المجتمعات ككل".

كتابان حول الصفقة الخضراء الجديدة

الأرض تحترق: الناشطة نعومي كلاين، في مجموعة من المقالات التي امتدت على مدى العقد الماضي، تصور يأسها من التدهور البيئي وتخلص إلى أن أي حل يجب أن ينطوي على تغيير جذري
الحجة لصالح الصفقة الخضراء الجديدة: تقول الخبيرة الاقتصادية آن بيتيفور إن الدولة قادرة على تمويل برنامج انبعاثات صفرية، ولكن الأسواق العالمية لن تسعى أبدا إلى تحقيق ’مشروع تثبيت استقرار المناخ‘.
الآن كل هذا يأخذك إلى منطقة متطرفة للغاية. من جانب، كلاين هي أقل قلقا بكثير بشأن الحفاظ على المحركات المنتجة للاقتصاد.
وهي في الواقع تؤيد فكرة "تخفيف النمو"، التي تستجيب لتخفيض الإنتاجية الناتج عن توطين التجارة والتخلص من أنواع الوقود الهيدروكربوني بمجرد تقليص النشاط.
وهي أيضا تعارض الأشكال الصناعية للزراعة، وتفضل العودة إلى الأشكال التقليدية الأصغر حجما.
هناك أيضا رفض للإصلاحات "الفورية التي ليست لها آثار على المدى الطويل" مثل الهندسة الجيولوجية، على أساس أنه، بما أن المناخ يؤثر في الجميع، فلن يكون من الممكن أبدا الحصول على موافقة مستنيرة لمثل هذه التجارب الخطرة، مثل رش الكبريتات في الغلاف الجوي.
وبالمثل يتم استبعاد الطاقة النووية بسبب متطلباتها للتعدين الاستخراجي.
الأمر يجعلك في مواجهة كل من الاقتصاد والسياسة في رؤية كلاين الكبرى. يمكن للمرء أن يتعاطف مع قلقها بشأن استدامة اقتصادنا المعولم، ويشيد بفكرة الإنفاق على البنية التحتية التي تشتد الحاجة إليها.
ما مدى عقلانية استبعاد الممارسات الزراعية التي تغذي 7.7 مليار شخص؟ وكيف تسوق فكرة "أقل" للعدد الذي لا يحصى من المستهلكين في الغرب، فضلا عن الذين يقلدونهم في بقية العالم أو الشركات العملاقة القوية التي تدفع الاقتصاد؟ تؤكد كلاين بثقة أنه يمكن جعل "المستثمر العام" الذي يدعم هذه الكيانات يحد من مطالبه للأرباح المتزايدة باستمرار، ما يوحي بأن الجواب هو توسيع "القطاعات التي لا يحكمها الدافع لزيادة الأرباح السنوية (القطاع العام والشركات التعاونية والشركات المحلية وغير الربحية)".

التزامات أخلاقية على عاتق البلدان الغنية

ربما يتعين على البلدان الغنية دفع تعويضات المناخ إلى البلدان النامية كما تقترح، وكذلك منحها حقوقا حصرية لجميع النمو المستقبلي المسموح به.
باستثناء اتخاذ إجراءات قهرية قوية، من الصعب أن نرى كيف سيتم تحقيق أي من هذا.
قد تكون إحدى الطرق، بالطبع، هي تعزيز سيطرة الدولة على الاقتصاد وتقليص قوة النظام المالي الدولي - الوصفة التي توصلت إليها الخبيرة الاقتصادية آن بيتيفور في كتابها المعنون: "الحجة لصالح الصفقة الخضراء الجديدة".
وبصفتها مستشارة لكل من أوكاسيو -كورتيز وماركي، ترى أن الدولة القومية قادرة بشكل قوي على تمويل عملية إزالة الكربون.
العدو هو الأسواق المعولمة، مع ميلها إلى الابتعاد عن مناطق الاختصاص القضائي التي تسعى إلى حشد تريليونات من رأس المال لدفع تكاليف التحول المناخي. وكتبت تقول إننا نحتاج إلى "أن نكون واقعيين" وأن نعترف بأن المصرفيين لن "يمولوا أبدا مشروعا ضخما لتثبيت استقرار المناخ بشروط مقبولة ومستدامة".
لتحقيق اقتصاد "الحالة المستقرة" الذي سيتعين عليه سداد كل هذا الدين من عائدات الضرائب المستقبلية، تجادل بيتيفور لمصلحة وضع قيود على تحريك رأس المال. لم تذرف المؤلفة دموعا على حرية المواطن للتنقل بأمواله.
"يمكن وضع جزء كبير من المسؤولية عن الصعود الحالي للحكومات المتطرفة اليمينية والسلطوية، على باب عدم الاستقرار الناجم عن التدفقات الرأسمالية المتقلبة والطليقة".
تفترض المؤلفتان أن عوامل تقليص الحرية الاقتصادية لن تمنع الجمهور من الهتاف لمصلحة الصفقة الخضراء الجديدة.
وربما هما على حق. برنامج كلاين نفسها "القفز" – وهو نسخة متطرفة من الصفقة الخضراء الجديدة – لقي الشجب والاستنكار من السياسيين المحافظين في كندا بسبب ما يتسم به من "عدمية اقتصادية".
كما تشير، حين أخذت آراء الجمهور في الاستبانات، حصل البرنامج على دعم الأغلبية من أنصار معظم الأحزاب الكندية الرئيسة.
حتى 20 في المائة من المحافظين أيدوا البرنامج.
قد يكون الطلاء بالألوان الأولية منطقيا من الناحية السياسية، في الوقت الذي تحذر فيه اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، من أن العالم أمامه عقد من الزمن، لبدء خفض الانبعاثات العالمية إذا أردنا أن نبقي سقف ارتفاع درجات الحرارة هو 1.5 درجة مئوية.
صحيح أنه من السهل العثور على الثغرات في التطبيق العملي للصفقة الخضراء الجديدة، خاصة فكرة الانتقال إلى نظام طاقة دون انبعاثات خلال عقد واحد فقط.

دعم شبكات الكهرباء

مجرد دعم شبكة الكهرباء بالكامل من قبل مصادر الطاقة المتجددة، سيكون مدمرا في الوقت الحاضر.
تكلفة بناء مخازن البطاريات اللازمة لتوفير الكهرباء لمدة أسبوع في بريطانيا، ستكلف تريليون جنيه استرليني، وفقا لشركة بي دي إف الفرنسية EDF.
ثم هناك مسألة النتائج التي سنتجنبها. في حين أن زيادة درجة الحرارة بمعدل درجتين إلى ثلاث درجات من شأنها بوضوح أن تسبب المعاناة لكثيرين، إلا أن قلة من الثقات من أهل العلم يرون أنها ستؤدي إلى انقراض جماعي للأنواع الحية أو الانهيار البيئي.
معنى هذا هو أننا نسيء فهم الجاذبية النفسية للصفقة الخضراء الجديدة، فهي لا تناشد الغريزة العملية، بل الشعور الكامن بالذنب والعجز بين المستهلكين الغربيين.
المشاعر نفسها التي دفعت سبعة ملايين شخص إلى الشوارع في جميع أنحاء العالم في الاحتجاجات المناخية الأخيرة، أو كانت تحيي الناشطة السويدية التلميذة جريتا ثونبرج في الأمم المتحدة، عندما اتهمت المندوبين بـ "سرقة أحلامي وطفولتي بكلماتكم الفارغة".
إنه يعكس فشل عديد من حكومات الدول (خاصة الولايات المتحدة) في التوصل إلى مقترح عميق ومفصل من شأنه تجنب التغييرات الاقتصادية الكاسحة، أو تحديد الموارد اللازمة لمكافحة تغير المناخ وكيفية نشرها.
لقد تعطلت التشريعات المناخية الأمريكية إلى حد كبير منذ فشل نظام تداولات الكربون للرئيس أوباما قبل عقد من الزمن.
حتى المبادرات العملية المحدودة تواجه المصاعب: خطة من قبل 24 بلدا لمضاعفة البحث والتطوير في مجال الطاقة الخضراء بين عامي 2015 و2020 خرجت عن مسارها إلى حد كبير.
الصفقة الخضراء الجديدة قد لا تكون في الواقع حول القيام بشيء محدد.
إلا أن المطالبة بتغيير جذري، بل يكاد أن يكون مستحيلا - كما تفعل كلاين وبيتيفور - قد يكون مجرد وسيلة لضمان إنجاز شيء ما.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES