FINANCIAL TIMES

الصين تندفع خلف نحاس الكونغو بكشاف من الغرب

عندما زار فيليكس تشيسكيدي، رئيس الكونغو الديمقراطية الجديد واشنطن في نيسان (أبريل) الماضي، كان ملياردير التعدين روبرت فريدلاند ينتظر في غرفة في فندق ويلارد إنتركونتيننتال لاستقباله.
وكان هناك أيضا سفير الولايات المتحدة لدى الكونغو الديمقراطية، وصان يوفينج، رئيس شركة سيتيك ميتالز المملوكة للصين، وهي أكبر مستثمر في شركة فريدلاند، صاحبة مناجم أيفانهو للنحاس.
أراد صان وفريدلاند بذل الدعم لمشروع نحاس جديد في الكونغو الديمقراطية، المقرر أن يرسخ نفوذ الصين على هذا البلد الغني بالموارد – وهو أمر ما كان ليفوت عن انتباه المسؤولين الأمريكيين، المشاركين في محادثات تجارية متوترة مع نظرائهم الصينيين في الناحية الأخرى من المدينة في اليوم نفسه. صان أخبر الرئيس فيليكس تشيسكيدي عن قدرة شركته، على بناء مشاريع كبيرة للبنية التحتية، بما في ذلك الطرق والسكك الحديدية والموانئ والجسور، في البلاد – وهو أمر لا يمكن أن تقدر عليه سوى قلة من شركات التعدين الغربية.
منذ ذلك الحين، وافقت شركة سيتيك على استثمار مبلغ 612 مليون دولار كندي إضافي في شركة أيفانهو القائمة في تورنتو.
كانت أهمية الاجتماع بالنسبة إلى فريدلاند واضحة. بعد أن ساعد في اكتشاف اثنين من أكبر المناجم في العالم، قبالة طريق مغبر غير معبد في الكونغو الديمقراطية، يعتقد أنه ربما وجد الثالث: كاموا-كاكولا، رواسب نحاس ضخمة غير مستغلة لا تقل قيمتها عن عشرة مليارات دولار.

حياة فريلاند المهنية
بوصفه صديقا من أيام الجامعة لستيف جوبز، مؤسس شركة أبل الراحل، ومنتج أفلام تشمل إنتاجاته على فيلم كريزي ريتش إيجانز "أغنياء آسيويون أغبياء"Crazy Rich Asians، حقق فريدلاند حياة مهنية من خلال تأمين التمويل للمناجم، ومن ثم استغلالها، في زوايا بعيدة من العالم وبيعها مقابل مبالغ كبيرة من المال.
يقول بيير لاسوند، المخضرم الكندي في مجال التعدين، عن قدرة فريدلاند على إقناع المستثمرين بالتخلي عن نقودهم: "في كل مرة أذهب وأراه فيها، أغلق أولا جيبي. لديه هذا التأثير المغناطيسي في الأشخاص".
لتمويل هذا المشروع الأخير، الذي يدعوه الرجل البالغ من العمر 69 عاما بأنه "أفضل مشروع لتطوير النحاس في العالم بلا جدال"، لجأ فريدلاند بشكل حصري إلى الصين.

استثمارات الصين تستفز أمريكا
تملك الشركات الصينية في الأصل بعض أغنى رواسب النحاس والكوبالت في الكونغو الديمقراطية وخارجها، وهي معادن مهمة للتحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة.
وهي تستثمر ما لا يقل عن ثمانية مليارات دولار في أصول التعدين الكونغولية منذ 2012، حيث قامت شركة تشاينا موليبيندينوم للتعدين بشراء منجم تينكي للنحاس والكوبالت من شركة فريبورت ماكموران مقابل 2.65 مليار دولار في 2016.
السيطرة والهيمنة على سلاسل التوريد العالمية الذي قد يمنحها هذا للصين، أثارت المخاوف في الولايات المتحدة. أعلن وزير الخارجية مايك بومبيو في أيلول (سبتمبر) الماضي، مبادرة لمساعدة الحكومات في البلدان الغنية بالموارد على جذب استثمارات أفضل من الشركات الأمريكية، من خلال تحسين معاييرها التنظيمية.
مبادرة حوكمة موارد الطاقة التابعة لوزارة الخارجية تقول إنها تريد "تشجيع فرص متكافئة حول المعادن المهمة، التي تدعم تكنولوجيا الطاقة النظيفة"، وتشمل الكونغو الديمقراطية كـ"مشارك".
خوفا من العمل في الكونغو الديمقراطية، وهي واحدة من أفقر الدول وأكثرها فسادا في العالم – حيث تحتل المرتبة الـ161 من أصل 180 في مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية – بقيت شركات التعدين الغربية بعيدة عن منجم فريدلاند.
كما امتنع المستثمرون عن المشاركة أيضا. بدلا من ذلك، لجأ إلىفريلاند إلى شركتين في الصينذات علاقات أفضل، لتوليد أكثر من مليار دولار التي يحتاج إليها لبناء منجم كاموا-كاكولا.
يقول أحد مديري الصناديق القائم في لندن: "هناك بعض الأدلة المعقولة التي تظهر أنه حتى تعمل هناك، فأنت بحاجة إلى القيام بشيء لا يسمح المساهمون الغربيون لفرقهم الإدارية بالقيام به".
مثل هذا القلق مبالغ فيه، كما يقول بول جيت، المحلل في شركة بيرنشتاين. "أسواق رأس المال مغلقة أمام استثمار التعدين في الغرب. من الناحية العملية قررنا أن نتنازل عن السيطرة على الإنتاج الصناعي للصين".

حزام النحاس عابر للحدود
حزام النحاس، الممتد عبر جنوب شرقي الكونغو الديمقراطية إلى زامبيا، واحد من أغنى الموارد في العالم لكل من ذلك المعدن والكوبالت. تم استخدام النحاس، الذي استخرجه البلجيكيون في بداية القرن العشرين، في القذائف التي أطلقت خلال الحرب العالمية الأولى في فرنسا.
أصبحت الكونغو واحدة من أكبر الدول المنتجة في العالم في الستينيات، حيث بلغ الإنتاج ذروته في 1976.
بحلول 1995، انخفض الإنتاج 90 في المائة.
سقطت الصناعة أكثر في حالة من الفوضى في عهد الديكتاتور السابق للكونغو موبوتو سيسي سيكو، وفي أواخر التسعينيات، مع انهيار نظامه، اندفعت شركات التعدين إلى توقيع الصفقات مع زعيم المتمردين لوران ديزيريه كابيلا، الذي تولى السلطة في 1997.
في الفترة الفاصلة القصيرة قبل اندلاع صراع آخر في 1998، حصل فريدلاند على تراخيص لاستكشاف نحو 14 ألف كيلو متر مربع من الأراضي في حزام النحاس الكونغولي.
قرر البحث غربا في كولويزي، عاصمة مقاطعة لوالابا، في منطقة لم يتم تعدينها من قبل لأنها تفتقر إلى أي مؤشرات سطحية على النحاس، مثل انقطاع الحياة النباتية، أو وجود صخور الملكيت الفيروزية اللامعة المميزة التي تحتوي على المعدن.
في 2008، بعد خمسة أعوام من نهاية الحرب الأهلية الوحشية في الكونغو – التي أسفرت عن مقتل أكثر من خمسة ملايين شخص – بدأ علماء الجيولوجيا بحفر الرواسب.

اكتشاف بأساليب غير معهودة
كانت الصخور تشير إلى وجود جسم خام كبير، وأعلن فريدلاند الاكتشاف في نيسان (أبريل) من 2009.
يقول ديفيد بروتون، عالم البيولوجيا الذي ساعد في اكتشاف منجم كاموا-كاكولا: "أدت الأزمة المالية إلى انهيار كل شيء آخر ... كنا الشركة الوحيدة التي بقيت في الكونغو الديمقراطية. اتصلت بي شركات الحفر تقول: ’هل تحتاج إلى أدوات حفر؟‘ كنا نعيش في الخيم والطين، لكن عندما نأتي باكتشاف كهذا، تكون فوق الغيوم لمدة عامين".
مخيم التعدين، الذي يقع على بعد 25 كيلو مترا غربي كولويزي، هو الآن خلية نشاط. العمال من جنوب إفريقيا والكونغو والصين يلتقون في مقصف الشركة. غرف الاجتماعات مزينة بالأطباق الدوارة، لجعل المسؤولين التنفيذيين الصينيين يشعرون كأنهم في منازلهم، بينما أعضاء فريق بروتون في الخارج يحفرون بحثا عن رواسب جديدة، بالقرب من القرى الصغيرة حيث يستخدم السكان معدات التعدين المهملة كأبواب مؤقتة.
يبني العمال طريقا بطول 34 كيلو مترا إلى المطار وأماكن الإقامة، لإيواء ما يصل إلى ألف عامل. يسارع عمال المناجم على عمق مئات الأمتار تحت الأرض إلى الحفر في أغنى جزء من رواسب النحاس، من خلال تجهيز الآلات في الظلام العميق الرطب على سطح الصخرة العمودي.
هناك شاحنات قادرة على تحميل 50 طنا تنقل خام النحاس إلى الأعلى على طريق متعرج نحو السطح.
يزعم فريدلاند أن منجم كاموا-كاكولا لديه القدرة على إنتاج ما يصل إلى 700 ألف طن من النحاس سنويا في ذروته، إذا تم تطويره بالكامل.
يمثل هذا نحو 6 في المائة من استهلاك الصين السنوي من المعدن، ويجعله ثاني أكبر منجم نحاس في العالم، بعد إسكونديدا في تشيلي.
كاموا، المملوك لحكومة الكونغو الديمقراطية بنسبة 20 في المائة، من المقرر أن يبدأ الإنتاج في 2021. لا تزال هناك شكوك حول ما إذا كان هدف فريدلاند واقعيا.
يقول أحد مستثمري التعدين في لندن: "دائما ما كان نموذج أعماله هو العثور على شيء جيد بشكل لا يصدق، ثم يجعله رائعا، ويبيعه بأفضل سعر ممكن. لا أحد يشك في هذا المورد، لكن من غير الواضح ما ستكون عليه العوامل الاقتصادية الفعلية لإخراجه من الأرض".

فريدلاند صديق جوبز
فريدلاند، المولود في شيكاغو، لوالدين هاجرا من ألمانيا، حقق سمعة سيئة مبكرة بعد اعتقاله في 1970 بتهمة بيع المخدرات، حيث أمضى ستة أشهر في السجن – إدانة تم شطبها لاحقا من سجله.
واستمر بارتياد كلية ريد في أوريجون حيث التقى جوبز.
عمل الاثنان معا في مزرعة مملوكة لعم فريدلاند. كان بستان التفاح هو ما ألهم اسم شركة الكمبيوتر، كما زعم كاتب سيرة جوبز في وقت لاحق.
سرعان ما فقد فريدلاند اهتمامه بالزراعة وبحلول أواخر السبعينيات – وبدعم من بعض الوسطاء في فانكوفر – انتقل إلى تعدين الذهب، من خلال تشجيع سلسلة من المشاريع في أسواق الأسهم الكندية، التي فشل كثير منها في الانطلاق.
أحدها أكسبه لقب "بوب السام"، بعد أن تسربت المعادن الثقيلة والنفايات السائلة من منجم الذهب ساميتفيل في كولورادو، إلى نهر قريب في 1992، ما ترك للحكومة فاتورة تنظيف كبيرة. في 2001، دفع فريدلاند 20.7 مليون دولار كجزء من تسوية قانونية مع الحكومة الأمريكية.
نجاحه الكبير الأول جاء بعد أن عثر علماء البيولوجيا على رواسب قصدير ضخمة في خليج فويسي في كندا، أثناء البحث عن الألماس.
تلاعب فريدلاند بشركتين من الشركات المقدمة للعروض ضد بعضهما بعضا لبيع المنجم مقابل 3.2 مليار دولار، إلى شركة إنكو للقصدير العملاقة Inco في 1996.
من قاعدته في سنغافورة، توسع بسرعة في جميع أنحاء العالم، من بورما، التي كانت تخضع للنظام العسكري آنذاك إلى إفريقيا، واشترى حقوق التنقيب في منغوليا من شركة بي إتش بي BHP مقابل خمسة ملايين دولار فقط. منجم النحاس والذهب الذي اكتشفته شركته لاحقا، من المتوقع أن يكون واحدا من أكبر المناجم في العالم وتشغله الآن شركة ريو تينتو.
حافظ فريدلاند على علاقات وثيقة مع الصين منذ التسعينيات، عندما كان يبحث عن الذهب في مقاطعة فوجيان الجنوبية الشرقية والتقى تشين جينجهي، الذي سيتولى منصب رئيس شركة زيجينين، المدرجة في هونج كونج بقيمة سوقية تبلغ 80 مليار دولار هونج كونج. شركة فريدلاند السينمائية، مدعومة أيضا من شركة أسهم خاصة، هي صندوق الثقافة والترفيه الصيني.

انخفاض أسعار النحاس
مع انخفاض أسعار النحاس في 2015، وافقت شركة زيجينين على استثمار 412 مليون دولار، للاستحواذ على حصة بنسبة 50 في المائة في منجم كاموا. كما تملك الشركة أيضا أسهما في شركة إيفانهو - المدرجة في تورنتو وتبلغ قيمتها أربعة مليارات دولار كندي.
في تشرين الأول (أكتوبر)، أعلنت شركة زيجينين الصينية شراء 49 مليون سهم آخر، ما رفع حصتها في شركة مناجم "أيفانهو" إلى 14 في المائة، وتجاوزت حصة فريدلاند لأول مرة.
شركة سيتيك وهي واحدة من التكتل المملوك للدولة الصينية، ولديه أصول بقيمة 900 مليار دولار، ستملك 26 في المائة من الشركة المدرجة في كندا.
يقول نورمان ماكدونالد، مدير صندوق كندي في شركة إنفيسكو: "الصينيون على استعداد كبير ليكونوا مشترين استراتيجيين لهذه الأصول. سوق النحاس معروضة للبيع ويستهلكون نصفها. إذا كنت ذاهبا إلى سيلفريدجز، وهناك خصم بنسبة 50 في المائة، لأن المستثمرين يتجنبون الكونغو الديمقراطية، فستشتريها".
يتوقع كثيرون أن يتخلى فريدلاند في النهاية عن السيطرة على شركة مناجم "أيفانهو" إلى شركات الصين. لطالما رغبت الصين في فكرة الحصول على شركة تعدين كبيرة لمنافسة مجموعات غربية مثل بي إتش بي BHP، أنجلو أمريكان وريو تينتو، التي ترى أنها تسيطر على أفضل الرواسب في العالم، وذلك وفقا لجيت من شركة برنشتاين.
"ما يدفعه هو إرثه. هل بإمكانه ابتكار أداة للصينيين قادرة على منافسة شركة بي إتش بيBHP؟" كما تساءل جيت. "لم يعد الأمر يتعلق بتقليب الأصول بل بناء شيء للمستقبل. يريد أن يكون شريكا مع الصينيين وتلك العملية ستجعله ثريا بإفراط. لديك تعاضد قدرته على تشغيل أصول التعدين وامتلاكها والعثور عليها، إلى جانب الميزانية العمومية للصين".
السوق العالمية: الطلب المتزايد وشركات التعدين المتعبة تفتح الباب أمام الكونغو الديمقراطية.

النحاس في صلب مشاريع التنمية
كانت التنمية الاقتصادية في الصين مدعومة بالنحاس - وهي المادة المفضلة للاستخدام في الأسلاك والأنابيب المنزلية.
تستهلك الصين نحو 40 في المائة من إمدادات العالم من المعدن، الذي هو أيضا ذو أهمية فائقة لمصادر الطاقة المتجددة، مثل توربينات الرياح ومحطات شحن السيارات الكهربائية.
أكبر مناجم النحاس في العالم، من تشيلي إلى إندونيسيا والولايات المتحدة، كانت قيد الإنتاج منذ عقود - ما يعني أنه يجب استخراج مزيد من نفايات الصخور مقابل كل طن من النحاس المنتج.
لذلك يتعين على عمال المناجم البحث في أماكن أخرى، وهو ما يؤدي بدوره إلى تكاليف إضافية في شكل بنية تحتية في بلدان مثل الكونغو الديمقراطية، فضلا عن ضغوط المستثمرين التي تركز بشكل متزايد على المقاييس البيئية والاجتماعية.
يقول جوليان كيتل، المحلل في وكالة وود ماكينزي: "هم جميعا يبحثون عن مناجم كبيرة منخفضة التكلفة، وطويلة العمر في منطقة ذات اختصاص قضائي ليست محفوفة بالمخاطر، ولكن حظا سعيدا بذلك. مشاريع الشركات وحيدة القرن لم تعد هناك الآن".
تفضل شركات المناجم أن تقول "النوعية هي الملك"، لأن نوعية النحاس في الصخر تقلل من كمية الخام الذي يجب استخراجه، ما يقلل التكلفة.
نوعية النحاس في تشيلي، أكبر منتج في العالم، هبطت من أكثر من 1.25 في المائة في 1999 إلى أقل من 0.75 في المائة. هذا يعني أن كل ما يتم التنقيب عنه هو مجرد نفايات.
كان لا بد من توسيع منجم تشوكيكاماتا الضخم للنحاس في تشيلي، الذي ساعد في تحقيق عائلة جوجنهايم لثروتها بعد شرائها إياه في 1910، من منجم مفتوح إلى منجم تحت الأرض، على أمل إطالة أمده لمدة 40 عاما أخرى.
في المقابل، تقول مناجم إيفانهو إن منجم كاموا-كاكولا في الكونغو الديمقراطية لديه متوسط نوعية يبلغ 5.5 في المائة من النحاس.
وتضيف الشركة أن إحدى حفر الثقب التي تم حفرها هذا العام، والتي يطلق عليها "منطقة الوفرة"، لديها نوعيات عالية من النحاس تصل إلى 18 في المائة، من حيث التركيز.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES