كيفية التعامل مع مؤشرات التنمية

|

تعبر المؤشرات Indicators والأدلة Indices التي نراها فاعلة في قضايا التنمية عن واقع حالي في إصداراتها الحديثة، أو عن واقع حدث في الماضي في إصداراتها السابقة، وكلاهما مطلوب للتخطيط للمستقبل. فالتعبير عن الواقع الحالي يمثل نقطة الانطلاق إلى المستقبل، وهذا ما يحتاج إليه التخطيط المنشود. والتعبير المضاف عن الواقع الذي حدث في الماضي يبين التطور الذي تم بين ما كان في الماضي وما أصبح في الحاضر؛ أي يوضح تجربة سابقة مفيدة في النظر إلى المستقبل، سواء كانت حصيلتها إيجابية أو سلبية. على أساس مثل هذه المؤشرات والأدلة، إلى جانب استقراء المستجدات القائمة والمتوقعة، يجري السعي إلى توجيه أحداث المستقبل، ومحاولة التحكم فيها.
للمؤشرات والأدلة على أساس ما سبق دور مهم في حياة الأمم ومسيرتها نحو مستقبل أفضل. لكن التعامل معها والسعي إلى الاستفادة منها يتطلب فهم جوانبها المختلفة، والسعي إلى تجنب ما تعانيه من ثغرات يمكن أن تجهض الاستفادة المنشودة. من هذا المنطلق يتطلع هذا المقال إلى تقديم نبذة عن المؤشرات، وطرح متطلبات التعامل معها بالشكل المأمول. ولعلنا نبدأ بإلقاء الضوء على المقصود بالمؤشر تمهيدا لطرح أنواعه وبيان جوانبه المختلفة.
عندما نقول مؤشرا فنحن نشير إلى موضوع يمثل حالة، حيث يقوم بالتعبير عن هذه الحالة كميا بعدد محدد. وعلى ذلك فإن لكل مؤشر جانبين: جانب الموضوع الذي يطرحه، ثم جانب الحالة التي يعبر عنها عدديا. وبالطبع يتطلب العدد المطروح المعبر عن الحالة وحدة قياس تكون بمنزلة مرجعية التعبير عن العدد، كي يكون التعبير واضحا لا لبس فيه. ولنأخذ كمثال على ذلك مؤشر متوسط دخل الفرد في دولة من الدول: الموضوع المحدد هنا هو متوسط دخل الفرد؛ والحالة هنا هي العدد الذي يعبر عن هذا الدخل في دولة معينة وسنة محددة؛ ووحدة القياس هي الريال أو الدولار تبعا لما هو متفق عليه.
وكي يكون المثال السابق متكاملا، لعل من المناسب الإشارة إلى وحدة قياس دولية شهيرة للموضوعات المالية هي دولار القوة الشرائية PPP. فللدولار قوة شرائية مختلفة في الدول المختلفة، حيث يتم تحديد القوة الشرائية على أساس تكاليف سلة من السلع التي يحتاج إليها الإنسان. فإذا كانت تكاليف هذه السلة منخفضة نسبيا في دولة من الدول، فهذا يعني أن الدخل المقدر بدولار القوة الشرائية سيكون عددا أكبر من الدخل ذاته مقدرا بالدولار الفعلي، والعكس بالطبع صحيح. لكن لا بد من القول هنا إن ذلك يبقى تقديرا يتبع سلة السلع المختارة من جهة، ويتبع أيضا مستوى تنفيذ قياس تكاليف السلة في الدول المختلفة. وهذا مثال أولي على مشكلات قياس مؤشرات التنمية على مستوى العالم.
تقدم جميع المؤشرات، في تعبيرها عن الحالات المختلفة، قيما كمية. لكنها مع ذلك تتضمن إلى جانب المؤشرات ذات الطبيعة الكمية Quantitative، كمؤشر متوسط دخل الفرد سابق الذكر، مؤشرات لا تتمتع بالطبيعة الكمية، وإنما بطبيعة نوعية Qualitative، مثل مؤشر جودة الخدمات الذي يبرز في خدمات المجالات المختلفة.
تعتمد المؤشرات ذات الطبيعة الكمية على بيانات إحصائية محددة Hard Data يتم الحصول عليها عبر جمع معلومات حقلية مباشرة وإجراء حسابات محددة. وتعتمد صحة نتائج هذه المؤشرات على دقة القائمين على جمع المعلومات وإجراء الحسابات.
ونأتي إلى المؤشرات ذات الطبيعة النوعية حيث تحتاج مثل هذه المؤشرات إلى قياس كمي كي تعبر عن الحالة التي تقيسها. ويعتمد القياس الكمي لهذه المؤشرات على الدراسات المسحية Surveys. ففي مجال جودة الخدمات، يتم إجراء دراسات مسحية لآراء عينة من متلقي الخدمات يحدد المشاركون فيها مستوى جودة الخدمات المقصودة. وعلى ذلك، تكون النتيجة صحيحة في إطار العينة، وتكون صحتها، على المستوى العام، تابعة لمدى تمثيل آراء العينة المختارة لآراء جميع أصحاب العلاقة، وتابعة أيضا لدقة القائمين على العينة واستخلاص النتائج منها.
تحظى نتائج المؤشرات ذات الطبيعة الكمية عادة بمصداقية أعلى من مصداقية نتائج المؤشرات النوعية. لكن الحاجة إلى النوعين من المؤشرات قائمة في مختلف مجالات التنمية لأن لكل منهما دورا في التعبير عن حالة معينة يطلب تحديدها وقياسها من أجل فهم الواقع والتخطيط للمستقبل. وتعتمد الأدلة الدولية التي ترصد عشرات من مؤشرات التنمية في الدول المختلفة سنويا على مؤشرات ترتبط بكلا النوعين.
لعل أبرز دليلين دوليين في مجال التنمية هما: دليل التنافسية العالمي GCI، الذي يصدر سنويا عن المنتدى الاقتصادي الدولي WEF؛ ودليل الابتكار العالمي GII الذي يصدر عن مؤسسات مختلفة بينها منظمة حقوق الملكية الفكرية WIPO. يضم دليل التنافسية العالمي 101 مؤشر في مجال التنمية؛ ويحتوي دليل الابتكار العالمي على 80 مؤشرا في المجال ذاته وفي كل من هذين الدليلين مؤشرات ذات طبيعة كمية، وأخرى ذات طبيعة نوعية. كما أن لدى كل منهما مؤشرات مركبة Composite Indicators، هي عمليا أدلة Indices تجمع عددا من المؤشرات الكمية وربما النوعية أيضا لتعطي معا تقييما لموضوع مطلوب التعرف على حالته، ومثال ذلك دليل الكفاءة الحكومية Government Effectiveness.
تتطلب المؤشرات، سواء كانت ذات طبيعة كمية أو نوعية، دقة في جمع المعلومات والبيانات وإجراء الحسابات كي تعبر التعبير الصحيح عن الحالات التي تدرسها. قد تتوافر البيانات المحددة Hard Data حول المؤشرات ذات الطبيعة الكمية لدى الدول المختلفة بسهولة عبر الدوائر المسؤولة عن الإحصاء فيها. لكن المؤشرات ذات الطبيعة النوعية تتطلب عملا أكثر تعقيدا في اختيار العينات المناسبة، وإجراء الدراسات المسحية، تبعا لمتطلبات كل مؤشر. ولعل من الأفضل لكل دولة تتطلع إلى المستقبل، أن تكون هي مصدر المعلومات والإحصائيات والدراسات المسحية وحساب المؤشرات الخاصة بها، بما في ذلك تلك التي يجري تناولها في الإصدارات الدولية، فمن يستطيع القيام بذلك خير من أصحاب العلاقة، خصوصا أن عليهم أيضا الاستفادة منها في رسم الطريق نحو المستقبل المنشود.

إنشرها