«منظمة التجارة» والإصلاح الحتمي

|


تواجه منظمة التجارة العالمية مزيدا من الانتقادات بسبب تأخرها في إدخال إصلاحات ضرورية. وهذه الانتقادات وصلت من بعض الجهات إلى الهجوم عليها، ولا سيما من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يعد أن بلاده "مظلومة" تجاريا من جراء القواعد والقوانين التي تقوم عليها هذه المنظمة. لكن أيا كانت وجهات النظر حيال منظمة التجارة، فهي تبقى ملاذا آمنا، خصوصا بين الأطراف التي تتعارك مع بعضها بعضا تجاريا. فحتى بريطانيا التي تستعد للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، أعلنت في كل المناسبات، أنه حتى لو فشلت المفاوضات بينها وبين هذا الاتحاد لاتفاقات تجارية مستقبلية، فإنها- أي بريطانيا- ستلجأ فورا لقواعد منظمة التجارة، وبالتالي ستتعامل مع الكتلة الأوروبية على هذا الأساس.
منظمة التجارة العالمية "كغيرها من المؤسسات الاقتصادية الدولية" تحذر من الأوضاع المقلقة التي يمر بها الاقتصاد العالمي. والسبب الرئيس لذلك هو الحروب والمعارك التجارية بين بعض الأطراف المحورية على الساحة الدولية. إضافة طبعا، إلى أسباب أخرى تتعلق بتراجع النمو في أغلبية البلدان، بل انكماش بعض الاقتصادات الكبيرة في الفترة الماضية. وتستند هذه المنظمة بالطبع إلى حقيقة، أنه في زمن الخلافات التجارية ليس هناك أفضل منها مكانا لحل هذه الخلافات. وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكن هناك أطراف ترى أنه آن الأوان لإدخال إصلاحات على هذه المنظمة، بما يتماشى مع التطورات التي مر بها العالم في العقدين الماضيين. يضاف إلى ذلك، أهمية الإصلاحات حتى لو لم تكن هناك خلافات أصلا.
على هذا الأساس تتحرك الدول الأعضاء في المنظمة للوصول إلى أفضل مستوى من الإصلاحات قبل فوات الأوان. وتخشى المنظمة بالفعل من الخسارة المرتقبة لنظام تسوية المنازعات، وهو أمر سيضرب هذه المؤسسة بقوة. فهي وجدت أساسا لحل المنازعات، وتنظيم الأداء التجاري العالمي بما يكفل أعلى مستويات العدالة للأطراف المعنية. والتوتر الراهن على صعيد منظمة التجارة، يسهم أيضا في انفلات الحروب والمعارك التجارية الحالية، ما يؤكد ضرورة أن تتم الإصلاحات المشار إليها بأسرع وقت ممكن. ويرى القائمون على هذه المنظمة أن الاتفاقات الثنائية والإقليمية ليست بديلا للنظام التجاري متعدد الأطراف. لكن السؤال المهم هنا، لماذا لا تسرع كل الأطراف لإيجاد الإصلاحات المنشودة؟
لا يوجد ما ينهي النظام التجاري متعدد الأطراف حاليا، والمخاطر الراهنة ليست قوية بما يكفي للقضاء عليه. لكن هذا لن يبقى مضمونا في المرحلة المقبلة، خصوصا مع بروز توجهات شعوبية في أكثر من بلد تستند أساسا إلى الالتزام وتدعيم المصالح المحلية، بصرف النظر عن أي تبعات مستقبلية عليها مستقبلا. لا شك أن النظام التجاري متعدد الأطراف يقوم على أسس ليست ضعيفة، لكنه يحتاج دائما إلى التطوير بما يتوافق مع الاستحقاقات. وإذا ما تم تطوير هذا النظام، فإنه سيظل أساسا يمكن البناء عليه حتى في ظل وجود اتفاقات ثنائية وإقليمية. المهم الآن، أن تنجح منظمة التجارة العالمية في جمع البلدان المحورية فيها لمباحثات حقيقية متواصلة من أجل الوصول إلى الصيغة الأمثل للإصلاحات المطلوبة. وهذه الأطراف مستعدة، كما تعلن دائما، لمثل هذه الخطوة، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولهذه الأخيرة دور أساسي في هذا المجال. لكن لا بد من التحرك السريع الآن قبل الغد. لأن المعارك التجارية الراهنة تستعر هنا وهناك، وتأخذ أشكالا متطرفة في بعض الأحيان.

إنشرها