خياراتنا ما بين التصحر والتشجير

|


التصحر يتوسع وينتشر نتيجة أنشطة الإنسان التي لا تراعي البيئة وما فيها من حياة نباتية وحيوانية. فالرعي الجائر فوق حمولة المراعي، والاحتطاب الجائر فوق طاقة نمو الأشجار، والقنص المجنون الذي يعكس الفراغ وتدني الوعي البيئي، أدى إلى فناء كل ملامح الصحاري النباتية والحيوانية ومن ثم اختفاء جمالها الطبيعي، وجعلها ساحات تذروها الرياح العاتية وترفع أتربتها المتفككة إلى عنان السماء لتكون العواصف الترابية وتلوث أجواء المدن.
في مجتمعنا، هناك تياران متناقضان. تيار من الجهود الإيجابية سواء من قبل مؤسسات عامة أو خاصة أو أهلية أو فردية تسعى إلى الحد من التصحر والإسهام في تشجير الصحاري والمحافظة على ما تبقى فيها من أشجار وكائنات. وفي الجانب الآخر تيار يتبنى سلوكيات سلبية تدمر البيئة من خلال قطع الأشجار الخضراء والرعي الجائر وقتل الحيوانات البرية بشكل عبثي، دون حاجة إلى لحومها أو اتقاء لضرر وجودها، ما يعكس تدني الوعي البيئي وخلل في التربية والتنشئة يتحمله المجتمع بمؤسساته، بدءا من الأسرة، وامتدادا للمدرسة والمسجد.
ولكن من المبهج أن البيئة تحظى باهتمام كبير من لدن الحكومة سواء فيما يخص البيئة عموما أو مكوناتها مثل تنمية المياه أو تنمية المراعي أو تنمية الغطاء النباتي، وكذلك تنمية الحياة الفطرية. لذلك اعتمدت استراتيجيات مهمة ومتعددة تحمل مئات المبادرات التي رصدت لها مئات الملايين من الريالات، مثل الاستراتيجية الوطنية للغابات، والاستراتيجية الوطنية للمراعي، والاستراتيجية الوطنية للبيئة. وبناء على هذه الاستراتيجيات، اعتمد مجلس الوزراء منذ سنة أو أكثر إنشاء المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، وكذلك المركز الوطني لرقابة الالتزام البيئي، وكذلك المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، إلى جانب كثير من الإدارات ذات الصلة مثل الإدارة العامة للتنوع الأحيائي ومكافحة التصحر وغيرها.
علاوة على ذلك، هناك جهود كبيرة تبذل وتشريعات تعد، ومراكز متخصصة تنشأ، ولكن هناك غيابا للمعلومات عن أثر هذه الأنشطة وتأثيرها الإيجابي في البيئة المحلية، إما لضعفها وعدم وصولها لمستوى الطموح أو أنها ــ وهذا احتمال وارد ــ لا تحظى بالأضواء الإعلامية الكافية لإبراز أنشطتها وإنجازاتها. وفي كل الأحوال هناك حاجة ملحة إلى تفعيل المراكز المتخصصة التي اعتمد مجلس الوزراء الموقر إنشاءها، وتنفيذ الاستراتيجيات التي أرجو ألا تكون حبيسة الأدراج بعيدا عن البيئة وما تتعرض له من تدمير وإرهاب بيئي سواء من خلال التعدي على ثروتنا من الأشجار المعمرة القليلة أو الكائنات الصحراوية النادرة المهددة بالانقراض.
هناك ابتكارات كبيرة تتوصل إليها مراكز البحوث العالمية في استصلاح نباتات تقاوم الجفاف، وابتكارات أخرى لمساعدة النباتات على تحمل الجفاف وندرة المياه، ولكن لا يوجد تشجيع مناسب للمهتمين بالتطوع في مجال إعادة تشجير الصحاري أو الحد من تدميرها من خلال الاحتطاب والرعي الجائرين.
أخيرا، هناك حاجة، بل مسؤولية كبيرة إلى الإسهام في إيجاد حلول عملية واقتصادية لمشكلة التصحر في بلادنا من خلال البحث العلمي والابتكار، خاصة مع كثرة الجامعات والمراكز والكراسي البحثية المتخصصة. فإلى متى نبقى مستهلكين فقط لأفكار الآخرين ومخترعاتهم؟! أما حان الوقت للمشاركة الدولية بالمخترعات والإبداعات التي تسهم في حماية البيئة ومكافحة التصحر، خاصة أننا من أكثر مناطق العالم حاجة إلى ذلك؟!

إنشرها