مبادرات المنشآت الصغيرة والمتوسطة والتنوع الاقتصادي

|


تشير البيانات إلى أن مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي تصل إلى 20 في المائة، وتعمل "رؤية المملكة 2030" على الوصول إلى 35 في المائة، ومن أجل تحقيق هذا عملت المملكة على عدة محاور منها ما هو تنظيمي ومنها ما هو تمويلي. فمن الجوانب التنظيمية إنشاء الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي يتركز دورها في البحث والعمل على الوصول إلى هذا المستهدف الكبير.
ويشير تقرير مؤسسة ريادة الأعمال والتنمية العمالية إلى أن المشاريع هي المحرك الأساس للنمو الاقتصادي، وهذه المشاريع تحتاج دوما إلى المؤسسات والمبادرين لضمان استمرار الابتكار ونمو الإنتاج ومن ثم دخول وظائف جديدة إلى الأسواق. ولكن نجاح المؤسسات لا يأتي من فراغ، بل من خلال توافر مزيج من الموارد والبنى التحتية التي أطلق عليها التقرير اسم "النظام البيئي لريادة الأعمال"، ووضع له مؤشرا سنويا يقيس مدى ملاءمة النظام الإيكولوجي لريادة الأعمال في 137 دولة، ومؤشرا يعتمد على جمع بيانات عن رواد الأعمال وقدراتهم وتطلعاتهم في 14 محورا.
وتأتي المملكة في هذا المؤشر في المرتبة 45، ما يشير بكل وضوح إلى الحاجة إلى رفع الثقافة المجتمعية في مجال ريادة الأعمال، ذلك أن رفع المستهدف في مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي لن يتحقق إلا بزيادة المشتغلين فيه وزيادة قدرة هذا القطاع على إنتاج الإيرادات. وفي هذا لا ننكر تلك الجهود الكبيرة في المملكة بنشر ثقافة ريادة الأعمال والعمل الحر، ومن ذلك تنفيذ مبادرة صندوق الاستثمار الجريء الحكومية التي تركز على تحفيز التمويل الرأسمالي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ورياديي الأعمال.
يظهر آخر مسح سنوي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء، أن عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة بلغ نحو 949.9 ألف منشأة، وأن عدد المشتغلين في المنشآت المتوسطة التي توظف من "50 إلى 249" بلغ قريبا من مليونين بنسبة تصل إلى 19 في المائة، وفي المنشآت الصغيرة التي توظف "6 إلى 49" بلغ عددهم أكثر من 2.6 مليون مشتغل وهو ما يمثل 27.5 في المائة من إجمالي المشتغلين، في حين شكلت نسبة المشتغلين بالنسبة للمنشآت متناهية الصغر العاملة التي توظف من "1 إلى 5" مشتغلين التي بلغ عدد المشتغلين فيها أكثر قليلا من 1.2 مليون مشتغل نسبة 12.6 في المائة وهي أقل نسبة مشتغلين. وعلى هذا فإن المنشآت الصغيرة بمقياس "6 إلى 49" موظفا تظل هي الأقدر على إنتاج الوظائف، بينما المنشآت متناهية الصغر هي الأقل في هذا المسار، وتشير الإحصائيات إلى أن معظم هذه المنشآت تعمل في قطاع التجزئة أو بمعنى أوضح في مجالات التجارة.
لعل هذا يوضح المفارقات التي تظهرها التقارير، فبينما نحن في المرتبة 45 في مؤشرات ريادة الأعمال نجد أن أغلبية المؤسسات صغيرة، ولكنها في قطاعات التجزئة وهي القطاعات الأقل تحقيقا للابتكار، وهذا يحد من قدرتها على تحقيق نمو قوي في مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لأنها ستظل عالقة برهان نمو القطاعات الأخرى، فلا يتصور أن ينمو قطاع التجزئة بينما يبقى قطاع النقل والخدمات اللوجيستية بلا نمو، ولن ينمو قطاع الخدمات اللوجيستية مع بقاء القطاع الصناعي قابعا في مساره، وإذا تحقق نمو في جميع هذه القطاعات ولكن على مستوى المنشآت الكبيرة فإن تحقيق مساهمة ملموسة للمنشآت الصغيرة والمستندة إلى التجزئة سيظل ضعيفا لأن المحرك في النمو كان خارج هذا القطاع. لهذا يجب التركيز أكثر على الابتكار ودخول الرياديين إلى قطاع المنشآت الصغيرة وبوتيرة أعلى مما هي عليه الآن. وتمثل المنشآت الصغيرة والمتوسطة ما نسبته 98 في المائة من الأنشطة التي تزاول أنشطتها التجارية في المملكة وتعد ذات ركيزة أساسية تسهم بدورها في دعم اقتصاد المملكة وتنوع مصادر الدخل غير النفطية، وهذا ما عملت عليه قيادة المملكة الرشيدة في تهيئة قطاعات حكومية تبذل جهدها في مواكبة تطلعات رواد ورائدات الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة في هذا المجال.
وفي المملكة نشهد اليوم عددا من المبادرات الهادفة إلى تخفيف الأعباء المالية عن المنشآت من خلال مبادرة "استرداد"، إضافة إلى مبادرة الإقراض غير المباشر من خلال تمويل تلك المنشآت التي كانت تعاني كثيرا عدم الحصول على التمويل المالي من قبل الجهات المالية.

إنشرها