FINANCIAL TIMES

صانعو السياسات الاقتصادية العالمية يلعبون بالنار

"لا تفعل حماقات غبية". مع تحول الكلمة الثانية على نحو صائب إلى "أشياء"، أصبح هذا يعرف باسم "مبدأ أوباما". وهو يعكس الدروس التي تعلمها باراك أوباما من حرب العراق غير الضرورية لسلفه الرئاسي. بالنسبة لكثيرين، كان المبدأ انهزاميا. اليوم، أنا أرى محاسنه. سيكون من الرائع رؤية إجراء ذكي للتصدي لتحدياتنا الكثيرة. مع ذلك، تطبيق مبدأ أوباما اليوم سيكون أمرا يبعث الراحة.
هذا صحيح، ولا سيما في الاقتصاد العالمي. حسبما قالت كريستالينا جورجيفا، المديرة التنفيذية الجديدة لصندوق النقد الدولي، في افتتاحية الاجتماعات السنوية هذا الأسبوع في العاصمة واشنطن "في عام 2019 نتوقع نموا أبطأ في نحو 90 في المائة من العالم. أصبح الاقتصاد العالمي الآن في تباطؤ متزامن". البحث المشترك الذي أجراه معهد بروكينجز و"فاينانشيال تايمز" أكثر كآبة، إذ وصف واقعنا بأنه "ركود متزامن".
ما الذي يدفع هذا التباطؤ، ولا سيما التباطؤ الحاد في الصناعة والتجارة؟ يبدوا أن جزءا كبيرا من الإجابة هو ارتفاع عدم اليقين. يجادل مؤلفو "بروكينجز" بأن هذا يرجع إلى "التوترات التجارية المستمرة، وعدم الاستقرار السياسي، والمخاطر الجيوسياسية، والمخاوف بشأن الفاعلية المحدودة للتحفيز النقدي". أشار جافن ديفيز إلى أن هذا الغموض بدأ يصبح "متجذرا".
في أحدث توقعاته الاقتصادية العالمية، يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الناتج العالمي 3 في المائة فقط هذا العام، منخفضا من 3.6 في المائة عام 2018. في البلدان مرتفعة الدخل يتوقع أن يبلغ إجمالي النمو 1.7 في المائة، منخفضا من 2.3 في المائة في العام الماضي. في الاقتصادات الناشئة يراوح الانخفاض من 4.5 في المائة إلى 3.9 في المائة هذا العام. ومن المتوقع أن يبلغ نمو حجم التجارة العالمية 1.1 في المائة فقط هذا العام، منخفضا من 3.6 في المائة العام الماضي. هذا أقل بكثير من نمو الإنتاج: ما يدل على تراجع العولمة، على الأقل على صعيد التجارة.
بشكل حاسم، المخاطر كلها في الجانب السلبي. قد تتفاقم النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين الرئيسيين. إذا حدث ذلك، فإن سلاسل الإمداد المتكاملة، ولا سيما في المنتجات ذات التكنولوجيا المتقدمة، يمكن أن تتعطل بشدة. قد تكون "بريكست" مضطربة. في الوقت نفسه المخاطر الجيوسياسية كثيرة، خاصة في الشرق الأوسط، وكذلك في آسيا. والأهم، العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تزداد سوءا. توجد أيضا عوامل هشاشة مالية كبيرة، ولا سيما الديون المرتفعة للشركات غير المالية. خطر الهجمات السيبرانية لا يزال موجودا، وكذلك خطر الإرهاب الهائل. ونستمر في الفشل في معالجة تغير المناخ.
من المحبط أن كثيرا مما يهدد الاقتصاد العالمي يعود إلى "أشياء غبية". تعمل سياسة دونالد ترمب التجارية على تحطيم الأسس التي يقوم عليها نظام التجارة بعد الحرب، ما يوجد حالة هائلة من عدم اليقين، في السعي لتحقيق الهدف السخيف المتمثل في تحقيق التوازن الثنائي. "بريكست" أمر غبي: يدمر شراكة مثمرة مع الدول المجاورة للمملكة المتحدة وشركائها. الاحتكاك المتزايد بين اليابان وكوريا الجنوبية أمر غبي أيضا: يضعف كلا البلدين في منطقة تهيمن عليها الصين أكثر من أي وقت مضى.
إننا جميعا نلعب بالنار. بل أسوأ؛ نفعل ذلك ونحن نعيش في مبنى قابل للاشتعال. ومثلما يخبرنا لورنس سمرز، الخطر لا يتمثل كثيرا في تباطؤ الاقتصاد العالمي بقدر ما يتمثل في صعوبة فعل الكثير تصديا لذلك. في هذا الصدد، التحول الأخير في سياسة الاحتياطي الفيدرالي باتجاه أسعار فائدة أدنى، وما يصحب ذلك من انخفاض في توقعات أسعار الفائدة، أمران لهما تأثير كبير. حتى في الولايات المتحدة كان من المستحيل على الاحتياطي الفيدرالي رفع سعر الفائدة على المدى القصير فوق 2.5 في المائة في هذه الدورة، قبل خفضه. في الاقتصادات الكبيرة الأخرى ذات الدخل المرتفع، لا يزال مجال استجابة السياسة التقليدية للتباطؤ أكثر محدودية.
الأهم من ذلك أن هذا يخبرنا أن الطلب الكلي الضعيف هيكليا، الذي ظل بعضنا يكتب عنه منذ ما قبل الأزمة المالية عام 2007 / 2008، لا يزال متفشيا. وهذا يجبرنا أن ندرك ليس فقط الأشياء الغبية المتمثلة في "القومية – الشعبوية ـ الحمائية" التي ورد ذكرها آنفا، بل أيضا الأشياء الغبية المتمثلة في "التقشف بوصفه مبدأ علمانيا ـ عقَدِيا"، المدمرة بالقدر نفسه. هذا لا يتضح فقط في الرعب من السياسة النقدية المكثفة، التي رفضها على نحو صائب الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، جان كلود تريشيه، بل أيضا رفض قبول البديل، تحديدا السياسة المالية. الناس مرعوبون من الاقتراض الحكومي على الرغم من استعداد المقرضين للدفع مقابل هذا الامتياز.
من الأسس الاقتصادية أن الأسعار مهمة. والحقيقة المذهلة هي أن أكبر ستة اقتصادات ذات دخل مرتفع، تشمل الآن حتى إيطاليا، يمكن أن تقترض لمدة 30 عاما بسعر فائدة اسمي ثابت يقارب 2 في المائة، أو أقل، وبأسعار فائدة حقيقية صفرية إلى سلبية، بشرط أن تحقق البنوك المركزية أهدافها المتعلقة بالتضخم.
يتعين على المرء أن يكون متشائما بشكل يائس بشأن توقعات النمو ليصدق أن من المستحيل إدارة قروض كبيرة بمثل هذه الشروط. هذا صحيح بشكل خاص إذا تم استخدام الاقتراض لإنتاج أصول عالية الجودة؛ بشرية، ومادية، وغير ملموسة. إن التركيز على القضاء على العجز في الميزانية، على هذا النحو، شيء غبي حقا. في حال ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية مرة أخرى، فإن هذا سيعكس فرصا أفضل (ويسهل) الحد من الإنفاق الحكومي. في الوقت نفسه، التكلفة المنخفضة للقروض السابقة ستكون غير قابلة للتعديل. علاوة على ذلك، حسبما أشار أوليفر بلانشارد، من المعتاد أن تكون أسعار الفائدة الآمنة أقل من معدلات النمو. يبدو أننا اليوم نشهد مجرد نسخة متطرفة من هذا الواقع.
هذا وقت صعب. يعكس بعض ذلك موجة قومية شعبوية تجتاح الآن البلدان مرتفعة الدخل. لكن بعضها يعكس المذهب العقيم. التباطؤ البسيط أمر، لكن التباطؤ الحاد الذي نرفض التعامل معه، بسبب الغباء، سيكون أمرا آخر تماما.
مثلما تقول جورجيفا، نحن بحاجة إلى "التزام متجدد بالتعاون الدولي". هذا أيضا هو موضوع الملخص الأخير من "لجنة بريتون وودز". لكن اليوم قد يكون هذا طموحا أكثر من اللازم. مع ذلك يمكننا على الأقل التوقف عن فعل الأشياء الغبية.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES