بيكيتي .. والإطار الفكري لعدم المساواة

|


أتحفنا الاقتصادي الفرنسي اللامع توما بيكيتي أخيرا بكتاب جديد تحت عنوان "رأس المال والأيديولوجيا".
ويأتي كتابه هذا بعد ستة أعوام ونيف من نشره لرائعته "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"، المطبوع الذي بيع منه أكثر من مليوني نسخة وحصل على جوائز وتربع على قوائم أكثر الكتب مبيعا على جانبي الأطلسي.
وكانت صحيفتنا "الاقتصادية" سباقة في تقديم الكتاب في حينه ضمن سلسلة من المقالات ألقت الضوء على أهم ما ورد فيه قبل ظهور النسخة العربية له بنحو أربعة أعوام.
ولأن كتاب بيكيتي الجديد حاليا متوافر بالفرنسية فحسب -وأنا شخصيا لا أقرأ الفرنسية- سأعتمد في هذا التقديم على العروض الكثيرة له في الصحافة العالمية وقراءتي لاقتباسات لترويج الكتاب لقراء الإنجليزية. النسخة الإنجليزية للكتاب لا يتوقع صدورها قبل مارس من العام المقبل.
والكتاب يأتي في 1232 صفحة، نحو 400 صفحة أكثر من كتابه الأول. ورغم ضخامة المنجز الجديد، يقول النقاد إنهم يتوقعون له نجاحا باهرا قد يفوق النجاح الذي حققه في "رأس المال في القرن الحادي والعشرين".
ويعد اليوم بيكيتي واحدا من أشهر علماء الاقتصاد في العالم، وقد شبه الباحثون والنقاد وقع كتابه الأول بالأثر الذي أحدثه كتاب كارل ماركس "رأس المال" وكذلك كتاب جون مينارد كينز "النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود".
مع ذلك، يبقى تأثير بيكيتي في سياسات المال والتجارة والتشغيل والاقتصاد محدودا، رغم شيوع كتابه الأول، مقارنة بماركس وكينز مثلا، حيث لم تتبن الحكومات الغربية النظريات والفرضيات التي أتى بها بيكيتي ولم تكترث لتحذيراته حول ما يخبئه النظام الرأسمالي الحالي من مخاطر.
مع ذلك استطاع بيكيتي جعل المسائل الخاصة بعدم المساواة الفظيعة التي أوجدها النظام الرأسمالي وكيف أن تراكم رأس المال لدى فئة قليلة يقابله تفاقم الفقر وتناقص القوة الشرائية للمجتمع بصورة عامة، مادة نقاش على المستوى الشعبي والنقابي والإعلامي وكذلك مدار أبحاث على المستوى الجامعي.
ويتتبع بيكيتي في كتابه الجديد الأفكار التي رافقته ومن ثم بررت عدم المساواة في المجتمعات وكان من نتاجها مآس وفظائع مهولة مثل العبودية، والاستعمار، والرق، والإقطاع، والشيوعية، والرأسمالية المفرطة التي أثرت سلبا في حياة الملايين من البشر.
ويعاكس بيكيتي النظريات التي تقول إن محرك التطور البشري هو تأكيد الربح وحقوق الملكية والسعي إلى تحقيق الاستقرار. فبالنسبة له، يشكل النضال في سبيل المساواة والتعليم أهم حافز للازدهار والرقي.
وكتاب بيكيتي الجديد يتناول رأس المال أيضا لكن من زاوية أخرى يستكشف فيها الأيديولوجيات التي تقف وراء عدم المساواة عبر العصور.
فالكتاب الجديد امتداد لكتابه الأول؛ وهذا شأن الكتاب الكبار الذين يحاولون البناء على النجاح الذي يحققونه في مسيرة حياتهم. ولا يختلف بيكيتي في هذا المضمار عن أقرانه.
وهو يقدم الأسباب والتفاسير للمبررات التي قدمها ويقدمها البشر لقبولهم الفروق الكبيرة في توزيع الدخل والثروة، فإن بيكيتي يتحسر على ما آل إليه الوضع، حيث لم تفلح الأحزاب والحكومات من اليمين واليسار في تقديم حلول ناجعة لإعادة توزيع الثروة التي دعا إليها في كتابه الأول.
ولا يكتفي بيكيتي باستعراض أفكاره ونظرياته ولا يقف عند تحليلها ودراستها عبر العصور، بل يقدم لنا مقترحاته للوصول إلى اقتصادات أكثر عدالة.
فمثلا، يقترح أن يكون للعمال والموظفين ما لا يقل عن 50 في المائة من المقاعد في مجالس الشركات. ويذهب بعيدا في دعوته إلى ألا يكون لأي من حملة الأسهم مهما بلغ حجم استثماراته أكثر من 10 في المائة من نسبة التصويت.
وقد أثار الاقتراح الأخير للتو، فرغم عدم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على نشر الكتاب بالفرنسية إلا أن كثيرا من الردود وصلت إلى درجة الخشية مما قد يحدث لأسواق الأسهم والأوراق المالية لو قدر لبيكيتي ومواقفه أن تأخذ مكانها في الاقتصاد العالمي.
إلا أن بيكيتي وفي تعقيب صحافي على اقتراحه هذا قال إنه لن يكترث لما سيحدث لسوق الأسهم، لأنه حسب رأيه، تراكم الثروة في هذه الأسواق واحد من الأسباب وراء عدم المساواة.
ويقترح بيكيتي فرض ضرائب عالية جدا تصل إلى 90 في المائة على الملكيات العقارية الكبيرة.
ومن اقتراحاته التي لا بد أن تلقى صدى إيجابيا لدى مجموعات وأحزاب البيئة التي يتصاعد نجمها في أوروبا فرض ضريبة كربون على الأفراد بواسطة كارت شخصي يحتسب ما يسهم به كل فرد في التلوث البيئي والاحتباس الحراري.
وأغلب الظن ستبقى مقترحات بيكيتي هذه حبيسة كتابه الجديد لأن الحكومات ليست في وضع يمكنها القبول بها؛ وهذا كان شأن اقتراحاته في كتابه الأول التي دعا فيها إلى فرض ضرائب عالية على ريع رأس المال واستنباط ضريبة عالمية على الثروة للحد من تفاقم عدم المساواة.

إنشرها