المؤسسات بين الجانبين التنفيذي والفكري

|

يشهد هذا العصر الذي نعيش فيه إيقاعا سريعا في التطور، لم يسبق له مثيل في كل ما سبقه من عصور، إنه عصر الثورة الصناعية، وبالذات عصر الثورة الصناعية الرابعة، التي جاءت حصيلة للثورات الصناعية الثلاث التي سبقتها، مكملة عطاءها بإنجازات متجددة، وأكثر تقدما وتأثيرا في حياة الإنسان. بدأت الثورة الصناعية الأولى في القرن الـ18 بالآلة البخارية وبعض الصناعات الأساسية. وانطلقت الثانية في القرن الـ19 لتمتد إلى بداية الربع الأخير من القرن الـ20، حيث أطلت السيارة وحلقت الطائرة، وبرزت الطاقة الكهربائية والإنارة، وانتشرت الاتصالات، وظهر الحاسوب، وبدأ غزو الفضاء. ثم جاءت الثالثة بعد ذلك لتشهد الثورة الرقمية وظهور الحاسوب الشخصي، وانطلاق الإنترنت والعالم "السيبراني"، لتندفع المعلومات بسرعة وكثافة حول العالم وتجعله قرية صغيرة. وقد كانت بداية القرن الـ21 موعدا مع الثورة الصناعية الرابعة، وتطور الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وتقنية النانو، والتقنية الحيوية، وغيرها من حقول تقنية واعدة بمستقبل يحمل آمالا عريضة.
شهدت مسيرة الثورات الصناعية معطيات تجاوزت رؤى، حتى بعض الذين كانوا قائمين عليها، وفي هذا المجال ينقل عن تشارلز ديويل Charles Duell الذي كان مسؤولا عن مكتب تسجيل براءات الاختراع الأمريكي قوله أواخر القرن الـ19: "إن كل ما يمكن اختراعه قد تم اختراعه"، متوقعا بذلك توقف عمل المكتب. لكن مسيرة التطوير استمرت بحماس أكبر وعطاء أكثر تميزا، ليشهد القرن الـ20 تطورا تقنيا تجاوز كل ما شهدته القرون السابقة. ولعل في ذلك إشارة إلى أن القرن الـ21 الذي نعيش فيه سيسبق القرن الـ20، الذي سبق ما قبله، بمنجزات كبيرة بدأت مقدماتها في الظهور.
على أساس ما سبق، نجد أن "التطور التقني" هو المحرك الرئيس للتغيير، ولتسارعه المطرد. ولعل نظرة شاملة إلى هذا التطور تقول إن التقنية التي يتميز بها تحمل معها أذرعا تفعل التطور الذي تشهده حياة الإنسان في شتى المجالات. وتتمثل هذه الأذرع في التطبيقات المختلفة لمعطيات التقنية التي تغطي مختلف مجالات الحياة. فهناك تطبيقات للتقنية المتجددة في مختلف القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية. في الصناعات التقليدية والصناعات الحديثة نجد أثرا متزايدا لتطبيقات التقنية المتجددة في حجم الإنتاج ونوعيته؛ ويضاف إلى ذلك تجدد صفاته أيضا. وفي الزراعة نجد تطبيقات علمية وتقنية ترتقي بفاعلية الأعمال الزراعية والغذائية وكفاءتها، وتسعى إلى مزيد من ذلك. وفي قطاع الخدمات، تطل أمامنا تطبيقات تقنية متجددة، تحمل آمالا واعدة لكل فروعه من التعليم إلى الصحة، ومن الخدمات الاقتصادية إلى الخدمات الاجتماعية، وغير ذلك.
ليست التقنية فقط، ولا تطبيقاتها فقط، التي تقوم بإحداث التطور وتفعيله في شتى مجالات الحياة، إنه أيضا انتشار "الاستخدام"، أي الاستفادة من التقنية عبر تفعيل تطبيقاتها، بما في ذلك إدارة هذا الاستخدام ومنهجياته وأساليبه والتوجه نحو تطويره. فمن الاستخدام يأتي "الأداء" ومؤشراته المعبرة عن الفوائد التي يتم الحصول عليها؛ فحسن الاستخدام يعطي الفاعلية المطلوبة، ويحقق الكفاءة المنشودة. ويحتاج ذلك إلى بيئة داخلية مناسبة للعمل والإنجاز في إطار المؤسسة المعنية، ويتطلب أيضا التعامل مع البيئة الخارجية والاستجابة للمنافسة التي قد تفرضها، إضافة إلى مواكبة التطورات التي تشهدها.
يمكن القول في ضوء ما سبق: إن دور المؤسسات العاملة في مختلف القطاعات يجب ألا يقتصر على جانب تنفيذ مهماتها المعتادة في المجال الذي تعمل فيه، بل يجب أن يشمل أيضا جانبا فكريا يهتم بتنمية إمكاناتها وتطويرها، عبر الإبداع والابتكار فيها. في إطار هذا الجانب تبرز أمام المؤسسات كل في مجالها، خمسة محاور عمل متكاملة تحتاج إلى الاهتمام. المحور الأول هو محور "التطور التقني" ومعطياته المتجددة والمتسارعة؛ والثاني هو محور "التطبيقات التقنية" التي توجه هذا التطور نحو تقديم الفوائد المرجوة في المجالات المختلفة؛ أما الثالث فهو "استخدام" التقنية وتطبيقاتها بأساليب مناسبة تعزز فوائدها وتفعل الاستفادة منها؛ والرابع هو "بيئة العمل" التي يجب أن تبنى على أساس توطيد العمل التنفيذي المعتاد من جهة، ودعم العمل على التطوير من جهة أخرى؛ ثم يأتي الخامس الذي يهتم "بالتعامل مع البيئة الخارجية" وما يتعلق بها من منافسة مع الآخرين ومواكبة لمتطلبات العصر ومعطياته.
مطلوب من المؤسسات التي تتطلع إلى النجاح والتميز والاستدامة في ذلك، في هذا العصر الذي نعيش فيه عصر التطوير المتسارع أن تسعى إلى الابتكار في المحاور الخمسة سابقة الذكر، تبعا لمجال عملها. ويشمل ذلك كل أنواع الابتكار التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة، بما في ذلك الابتكار التقني؛ والابتكار الإجرائي الوظيفي؛ والابتكار الشكلي أو الحسي الناعم؛ والابتكار الاجتماعي والحلول التي يقدمها للمشكلات المختلفة؛ وأي أفكار أخرى قابلة للتطبيق وتقديم قيمة تعزز عمل المؤسسة المعنية. يضاف إلى ذلك "الابتكار المفتوح" الذي يهتم بالشراكة والتعاون في الابتكار، في إطار مستويات مختلفة تراوح بين الشراكة العامة عبر الإنترنت مع عملاء المؤسسة ومقتني منتجاتها، وبين الشراكة الخاصة بين مؤسستين أو أكثر مثل الشراكة بين مؤسسة إنتاجية من جهة وجامعة متميزة في البحوث المرتبطة بعملها من جهة أخرى.
ليس كافيا لأي مؤسسة في هذا العصر أن تركز فقط على جانب تنفيذ مهماتها بالشكل المعتاد، بل بات عليها أن تنظر أيضا بالبصر والبصيرة إلى جانب آخر هو الجانب الفكري المستقبلي الذي يهتم بالتطور التقني وتطبيقاته المفعلة لفوائده، وأساليب استخدامه والاستفادة منه، وبناء البيئة المناسبة لذلك، إضافة إلى التعامل مع البيئة الخارجية ومواكبة تطوراتها والتنافس الإيجابي في إطارها. فإذا كان تنفيذ المهمات المطلوبة أمرا مهما وضروريا فإن أمر تطوير هذا التنفيذ بما يواكب المعطيات المتجددة، ويفتح آفاق المستقبل، ويستعد له، بل يسهم أيضا في معطياته، أمر لا يقل أهمية وضرورة. والأمل أن تسعى كل مؤسسة إلى أخذ الجانبين معا في الاعتبار عبر عامل الزمن الذي ينظر إلى المستقبل، منطلقا من أرض الواقع، ومستجيبا لمتطلبات عصر التطوير المتسارع، ومشاركا في عطائه.

إنشرها