العقوبات وتدهور الاقتصاد التركي

|

أسرع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في بدء فرض عقوبات على تركيا، عقابا لها على اجتياحها الأراضي السورية، والقيام بأعمال تنال من المدنيين العزل في المنطقة. والخطوة الأمريكية هذه جاءت بعد تحذيرات متكررة من واشنطن للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من مغبة استمرار عمليته العسكرية هذه، وطالبته بوقفها فورا بل عرضت عليه الوساطة بين تركيا والقوات الكردية المتمركزة في المنطقة المشار إليها. والعقوبات الأمريكية المبدئية هذه جاءت أيضا بعد تحذيرات لا تتوقف من جانب الاتحاد الأوروبي بوقف هذه العملية. وأمس قررت بريطانيا تعليق بيع السلاح لتركيا عقابا لها على ما تقوم به، ورفضها لكل المطالبات الدولية بالاحتكام إلى العقل والمنطق في علاج الأزمات الحدودية.
العقوبات الجديدة تشمل ثلاثة وزراء للطاقة والدفاع والداخلية، وكيانين اثنين هما وزارتا الطاقة والدفاع. وفي هذه الأثناء يدرس الكونجرس الأمريكي فرض مزيد من العقوبات على أنقرة في غضون الأيام القليلة المقبلة، ما يضع الاقتصاد التركي الذي يعاني أصلا التباطؤ أمام مزيد من المخاطر. دون أن ننسى أن ترمب هدد تركيا علنا بتدميرها اقتصاديا إذا لم تلتزم بدعوات بلاده بوقف العمليات العسكرية فورا. وفي غضون ساعات وافقت الدول الأوروبية على وضع قائمة بعقوبات اقتصادية تستهدف عمليات التنقيب التركية عن النفط والغاز في المياه قبالة جزيرة قبرص. وهذه المسألة سبقت في الواقع الهجوم العسكري التركي الأخير، وذلك في ظل احتجاجات قبرص اليونانية على عمليات التنقيب التي تعدها غير مشروعة.
بعد ساعات قليلة جدا من قرار واشنطن بدء سلسلة عقوباتها على تركيا، انهارت الأسهم التركية بنسبة 5 في المائة في حين سجلت الليرة أسوأ أداء لها مقارنة ببقية العملات المتداولة حول العالم. والاقتصاد التركي يعاني أصلا مصاعب جمة ولا سيما مع ارتفاع التضخم، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وهجرة نسبة من الاستثمارات، وخوف المستثمرين الأجانب من حالة عدم اليقين التي تسود البلاد. ورغم أن تقلب قيمة الليرة ليس غريبا عليها، إلا أن وضعها في ظل العقوبات الأمريكية الأولية زاد من المخاطر الكبيرة حولها. تضاف إلى ذلك العقوبات الأوروبية المنتظرة، والتوتر السياسي بين أنقرة وعواصم الاتحاد الأوروبي كلها، لأسباب عديدة في مقدمتها السياسات التي يتبعها أردوغان حول القضايا المشتركة بين الطرفين.
في ظل هذه الأجواء والتطورات بدأت مؤسسات التصنيف العالمية تغيير نظرتها إلى سلبية حيال الاقتصاد التركي. فهذه المؤسسات تعتقد أن اقتصاد البلاد يسير بخطوات سريعة نحو مزيد من التدهور، في أجواء متوترة أسهمت في تصعيد العمليات العسكرية في الأراضي السورية، والنتائج المدمرة على المدنيين في المناطق التي تشهد المواجهات حاليا. حتى قبل أن تتفاعل سياسات الرئيس التركي سلبيا، اصطدم هذا الأخير بمسؤوليه الاقتصاديين عدة مرات الذين يعتقدون أن تدخله في رسم السياسات الاقتصادية يزيد وضع الاقتصاد سوءا، بما في ذلك ضغوطه التي لا تتوقف لخفض معدلات الفائدة. الوضع الاقتصادي الراهن سيشهد في الأيام القليلة المقبلة مزيدا من التراجع، ليس فقط من جراء العقوبات الأوروبية المنتظرة، بل أيضا نتيجة التخبط في السياسة الاقتصادية الداخلية بشكل عام. ناهيك عن العقوبات الأمريكية الإضافية التي من المتوقع أن تفرض على أنقرة في غضون أيام أيضا. الجميع يحذرون تركيا من توجهاتها العسكرية، والجميع يعتزم بالفعل أن يتخذ الإجراءات اللازمة لردعها بالوسائل الاقتصادية الضاربة.

إنشرها