حوكمة القطاع الثالث

|

لا تختلف مفاهيم ومبادئ حوكمة المؤسسات غير الهادفة للربح عن تلك المبادئ المطبقة في القطاعين الخاص أو العام. القطاع الخيري أو التطوعي يأتي في درجة متوسطة بين تلك القطاعات، ويقترب كثيرا من القطاع الخاص في حاجته إلى تفعيل أسس الحوكمة والإدارة الرشيدة من أجل تحقيق فاعلية المؤسسات المصنفة ضمن هذا القطاع. إضافة إلى ذلك فالقطاع الثالث يعتمد كليا على مبدأ الثقة التي ترتبط بالشفافية والعدالة، وهذه تمثل أركانا أساسية لنجاح القطاع غير الربحي(Non Profit Organisation (NPO. عالميا ازدادت المؤسسات المصنفة ضمن هذا القطاع وأصبحت تحصل على تمويل وامتيازات ضخمة من الدول والشركات والمؤسسات ورجال الأعمال مقابل تقديم خدماتها التنموية والتطوعية للمجتمع دون عوائد مالية تعود للملاك، وزاد نجاحها ما تجده من الحكومات من أجل تمكين هذه المؤسسات للمساهمة في التنمية الاجتماعية وتحقيق الاستدامة بالمشاركة بين القطاعين العام والخاص.
مرت هذه المؤسسات بفترة نمو وتطور حتى أصبحت من أهم أدوات التنمية الشاملة، وكانت بصمات هذه المؤسسات والعاملين فيها مشهودة في المجالات كافة. مع زيادة حجم هذا القطاع، أصبحت الحاجة إلى تنظيمه وضبطه ذات أولوية عالية بسبب ما واجهه هذا القطاع من ممارسات لم تكن في مسارها الصحيح.
في المملكة ظل هذا القطاع ولأعوام يسير بمبدأ الثقة، ولم يكن هناك جهاز مختص لتطوير هذا القطاع وتفعيل دوره في التنمية. ومع هذا فقد نما هذا القطاع بشكل كبير وحقق كثيرا من المنجزات. بعد بداية الألفية الحالية بدأت السهام توجه للقطاع الخيري "القطاع غير الربحي" في العالم الإسلامي وفي المملكة بسبب ما عرف حينذاك بدعم بعض المؤسسات لأعمال وأفراد في الخارج ممن ارتبطوا بعمليات غير شرعية أو دعاوى بدعم الإرهاب. كانت الحسنة في هذا الأمر أن تم الالتفات لتطوير التشريعات والتنظيمات الخاصة بالمؤسسات غير الربحية ومؤسسات المجتمع المدني من أجل حوكمتها وتحقيق مصالح الأطراف كافة، وحمايتها من الاستغلال والتوظيف السيئ في مجالات العمل الخيري. يمر مفهوم حوكمة القطاع غير الربحي في هذه الفترة بأفضل أوقاته مع الدعم المستمر من قبل وزارة العمل والتنمية الاجتماعية التي تحرص على تفعيل هذا القطاع وتطويره بما يتناسب مع مستهدفات "رؤية المملكة 2030" وبما يحقق النتائج المأمولة في المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة.
قد يعاب على هذه المرحلة الاهتمام بالكم دون الكيف، بسبب عدم وجود جهات مختصة ومؤهلة للتحقق من الممارسات والمفاهيم المطبقة في هذا القطاع. ولغياب دور مؤسسات التعليم والبحث العلمي للتعاون مع الجهات المشرعة لتطوير هذا القطاع؛ ما مكن بعض المؤسسات للدخول في هذا المجال دون أي خبرات حقيقية، بل إنها تمارس منهجية التعلم بالمحاولة والخطأ التي تصيب أحيانا وقد تكون عواقب أخطائها مأساوية أحيانا أخرى.
في نهاية هذه السلسلة التي تحدثت فيها عن ممارسات الحوكمة في المملكة في القطاعات الثلاثة العام والخاص وغير الربحي، يجدر تأكيد أننا نمر بمرحلة تحديث وتطوير تهتم بمفهوم وممارسة الحوكمة وفق أفضل المعايير، وليتحقق ذلك لا بد من وجود مؤسسات بحثية مختصة، ومساندة الأجهزة التشريعية من أجل تحقيق التميز في حوكمة هذه القطاعات.

إنشرها