الإصلاحات ودفع النمو ومستويات المعيشة

|

استنادا إلى بحوثنا التجريبية بشأن الإصلاحات في 48 سوقا صاعدة حالية وسابقة و20 اقتصادا ناميا تبين أن الإصلاحات يمكن أن تحقق منافع كبيرة. لكن هذه المكاسب تستغرق وقتا حتى تتحقق وتختلف باختلاف أنواع القواعد التنظيمية المطبقة. فعلى سبيل المثال: إصلاح التمويل الداخلي بالحجم الذي حدث في مصر عام 1992 أدى إلى زيادة الناتج بنحو 2 في المائة في المتوسط بعد ستة أعوام من التنفيذ. ونحصل على النتيجة نفسها بالنسبة لإجراءات مكافحة الفساد التي تكون آثارها كبيرة في المدى القصير وتستقر عند نحو 2 في المائة على المدى المتوسط. وفي مجالات الإصلاح الأربعة الأخرى: التمويل الخارجي والتجارة وأسواق المنتجات وأسواق العمل، تبلغ المكاسب نحو 1 في المائة بعد ستة أعوام من تنفيذ الإصلاح.
وبالنسبة للاقتصاد العادي في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، تشير النتائج إلى أن إجراء إصلاحات متزامنة كبيرة في مجالات مختلفة يمكن أن يرفع الناتج لأكثر من 7 في المائة على مدار ستة أعوام. ومن شأن ذلك زيادة نمو إجمالي الناتج المحلي السنوي للفرد بنحو نقطة مئوية واحدة، ما يضاعف السرعة المتوسطة لتقارب الدخل مع مستويات البلدان المتقدمة. ويشير التحليل القائم على النماذج الذي يرصد الأثر الأطول أجلا للإصلاحات ويوفر رؤى للقنوات التي تؤثر من خلالها في النشاط الاقتصادي إلى تحقيق مكاسب في الناتج تعادل ضعف المكاسب المحققة في ظل النموذج التجريبي على المدى الأطول (أكثر من ستة أعوام).
ويمثل الحد من الطابع غير الرسمي قناة تستطيع من خلالها الإصلاحات زيادة الناتج. فعلى سبيل المثال، يؤدي تخفيض الحواجز أمام دخول مشاريع الأعمال في القطاع الرسمي إلى تشجيع بعض الشركات غير الرسمية على الانخراط في القطاع الرسمي. ويؤدي التحول إلى القطاع الرسمي بدوره، إلى إعطاء دفعة للناتج عن طريق زيادة إنتاجية الشركات واستثمار رأس المال. ولهذا السبب غالبا ما تزداد ثمار الإصلاحات كلما كان الطابع غير الرسمي شائعا.
إصابة الهدف في توقيت الإصلاحات ووضعه في حزم وتحديد تسلسله تحقق بعض الإصلاحات وأفضل النتائج إذا كان الاقتصاد قويا. ففي أوقات اليسر يؤدي تخفيض تكاليف تسريح العمالة إلى جعل أصحاب العمل أكثر استعدادا لتعيين عمالة جديدة؛ أما في أوقات العسر، فيجعلهم أكثر استعدادا للتخلص من العمالة الموجودة، ما يضخم أثر الهبوط الاقتصادي. وبالمثل، فإن زيادة المنافسة في القطاع المالي عند ضعف الطلب على الائتمان تدفع بعض الوسطاء الماليين إلى إيقاف نشاطهم، ما يزيد ضعف الاقتصاد.
وفي البلدان التي يكون الاقتصاد فيها ضعيفا يمكن أن تعطي الحكومات أولوية للإصلاحات التي تدر عائدا بصرف النظر عن الأوضاع الاقتصادية، مثل تعزيز المنافسة في سوق المنتجات، وتصمم إصلاحات أخرى لتخفيف أي تكاليف قصيرة الأجل، مثل سن إصلاحات لحماية الوظائف تنص على دخولها حيز التنفيذ في وقت لاحق، وتقرن تلك الإصلاحات بدعم من السياسة النقدية أو سياسة المالية العامة حيث أمكن ذلك.
وتحقق الإصلاحات أفضل النتائج أيضا إذا تم وضعها في حزم وتحديد تسلسلها بصورة صحيحة. وجدير بالذكر أنها عادة ما تحقق مكاسب أكبر في البلدان التي تتسم بقوة الحوكمة. ويعني هذا أن تقوية الحوكمة يمكن أن تدعم النمو الاقتصادي وتقارب الدخل، ليس فقط بشكل مباشر عن طريق تحفيز المشاريع الرسمية الأكثر إنتاجية على الاستثمار وتوظيف العمالة، بل بشكل غير مباشر أيضا عن طريق تعظيم ثمار الإصلاحات في مجالات أخرى.
وأخيرا، حتى تحقق الإصلاحات ما تعد به من تحسن في مستويات المعيشة، يجب أن تدعمها سياسات لإعادة توزيع الدخل تعمل على نشر المكاسب على قاعدة أوسع من السكان مثل شبكات الأمان الاجتماعي القوية والبرامج التي تساعد العمالة على الانتقال عبر الوظائف. وحتى تكون الإصلاحات مستدامة، وبالتالي فعالة، ينبغي ألا تكون مفيدة للبعض فقط، بل تكون مفيدة للجميع.

إنشرها