لماذا بات أنور إبراهيم قلقا على مستقبله؟

|


يبدو أن السياسي الماليزي أنور إبراهيم (72 عاما) الذي يفترض أن يتولى قيادة ماليزيا سنة 2020 خلفا لرئيس الحكومة الماليزية الحالي مهاتير محمد (93 عاما)، طبقا لاتفاقية تحالف -من بعد عداء مرير- أبرمها الرجلان منتصف 2018 -قبيل الانتخابات العامة الماضية- بهدف حشد قواهما وأنصارهما من أجل الإطاحة بخصمهما نجيب رزاق رئيس الوزراء السابق على خلفية قضايا فساد ومحسوبية مزعومة، بات قلقا على مستقبله السياسي، وتساوره الشكوك حول وفاء مهاتير بوعوده. ودليلنا هو خروج إبراهيم علنا في مقابلة مع تلفزيون "بلومبيرج" أخيرا ليقول "ردا على سؤال عما إذا كان انتقال السلطة إليه سيتم بعد عامين من تولي مهاتير كما هو مقرر": "هناك تفاهم على أن مهاتير سيستقيل في الوقت المناسب، وينبغي أن يتم ذلك كما هو مقرر، لكنني لا أعتقد أنه يجب علي التشدد حول اليوم والشهر". ورغم نفي إبراهيم وجود محاولات من قبل مهاتير لتجاوزه والإتيان بغيره، فإن شائعات كثيرة راجت في الفترة الأخيرة مفادها أن مهاتير يحضر لتوريث السلطة لنجله مخريز مهاتير، رجل الأعمال ورئيس وزراء ولاية قدح الشمالية المعزول، أو على الأقل الإتيان بصديقه محمد عزمين علي الذي يتولى منذ 2018 منصب وزير الشؤون الاقتصادية، وكان سابقا رئيسا لحكومة ولاية سيلينجور.
والحقيقة أن لمهاتير سوابق كثيرة لجهة تسمية من سيخلفونه ثم الإطاحة بهم قبل بلوغهم السلطة أو بعده، تشهد على ذلك الحملة الشعواء التي أطلقها في بدايات صعود نجمه السياسي ضد تنكو عبدالرحمن بطل الاستقلال وأول رؤساء حكومات البلاد التي أثمرت في النهاية عن استقالة الرجل عام 1970 ومجيء تون عبدالرزاق الذي أعاد مهاتير للحزب الحاكم -حزب "أومنو" أو المنظمة الوطنية المتحدة لشعب الملايو- من بعد أن كان قد طرد منه في 1969 بسبب هجومه اللاذع على تنكو عبدالرحمن، كما قام عبدالرزاق بتعيينه سيناتورا عام 1973 ووزيرا للتعليم عام 1974، الأمر الذي ساعده كثيرا على خوض انتخابات 1974 العامة والفوز بمقعد في مجلس النواب عن دائرة كوبانج سو. لكن كل هذا لم يحل دون تسديد مهاتير ضربة قاتلة لابن عبدالرزاق (نجيب رزاق) بإخراجه من السلطة العام الماضي وتشويه سمعته.
ومما يذكر أيضا أنه حينما توفي عبدالرزاق عام 1976 وخلفه نائبه حسين عون، جرت معركة حامية للحصول على منصب نائب رئيس الحكومة "منصب يؤهل صاحبه للوصول إلى رئاسة الحكومة والحزب الحاكم أوتوماتيكيا إذا ما حدث فراغ في السلطة". وقد دارت المنافسة بين مهاتير وعبدالغفار بابا رئيس وزراء ملقا السابق وتنكو رضا لاي حمزة "من عائلة سلطان ولاية كلينتان".
لاحقا تمكن مهاتير من التقرب من عون المعتل صحيا وأقنعه بأحقيته بالمنصب، ساعده على ذلك عدم حصول عبدالغفار على قدر عال من التعليم وعدم إجادته الإنجليزية، وعزوبية "تنكو رضا لاي" وصغر سنه وخبرته السياسية المحدودة. وهكذا أزاح مهاتير الرجلين من طريقه وصار نائبا لرئيس الحكومة، ومن ثم رئيسا لها بدءا من يوليو 1981، أي بعيد اعتزال عون. وقتها اختار مهاتير موسى حاتم نائبا له لكن سرعان ما أطاح به في 1986، وسط خلافات حركتها سياسات مهاتير الرامية لتقليص نفوذ سلاطين البلاد. وفي مطلع التسعينيات وقع اختيار مهاتير على أنور إبراهيم ليكون أول وزير للشباب والرياضة، قبل أن يمسكه حقيبة التعليم، ثم يرقيه بمنحه منصبي نائب رئيس الحكومة ووزير المالية، وذلك بعد أن أتى به من زعامة حركة الشباب الإسلامي الماليزية ومنحه عضوية "أومنو".
نما الاقتصاد الماليزي بمعدلات كبيرة حتى 1997 في تطور أرجعه كثيرون إلى مهارة إبراهيم في قيادة وزارة المالية، غير أن ماليزيا واجهت ظروفا اقتصادية صعبة في 1998 بسبب تداعيات الأزمة المالية الآسيوية التي انطلقت شرارتها من تايلاند. وقتها استطاع مهاتير بحنكته وعدم امتثاله لتوصيات البنك الدولي وعدم اكتراثه برؤى وزرائه من أمثال إبراهيم أن ينقذ بلاده من أزمتها بل يحولها إلى قلعة صناعية جاذبة للاستثمارات الأمر الذي أسهم في زيادة رصيده الشعبي.
ولأن إبراهيم بدا في هذه الفترة منتقدا لسياسات مهاتير خصوصا لجهة إفساد علاقة ماليزيا بالبنك الدولي ومن ورائه واشنطن، فقد تقرر الإطاحة به بأسلوب مهين ومذل "تجسد في اتهامه بجملة من الاتهامات غير الأخلاقية والعمل لمصلحة المخابرات الأمريكية والسرقة والفساد وقبض العمولات" ما تسبب في حدوث انقسام وطني حاد في البلاد.
في أكتوبر 2003 تخلى مهاتير عن الحكم طواعية وهو في أوج تألقه، من بعد 22 سنة متواصلة في السلطة، وهو أمر يحسب له خصوصا أنه تعهد باعتزال السياسة بالكامل ورفض أي دور فخري في ظل حكومة الرجل الذي اختاره بنفسه خليفة له وهو عبدالله أحمد بدوي. لكن مهاتير دشن في 2006 حملة انتقادات مريرة ضد بدوي، واصفا إياه بـ"الرجل الرخو" غير الصالح لقيادة ماليزيا، ثم بدأ يخطط للإطاحة به لأسباب قيل إنها متعلقة بإقالته لعدد من أتباع مهاتير في الشركات المملوكة للدولة. وبعد انتخابات 2008 التي خسر فيها "أومنو" أغلبية الثلثين، استقال مهاتير من عضوية الحزب، وتم اختيار نجيب تون رزاق بديلا لبدوي. وقتها منح مهاتير دعمه لرزاق وأثنى عليه، لينقلب عليه بعد تسعة أعوام عبر التحالف مع غريمه السابق أنور إبراهيم.

إنشرها