صعود الاستثمارات الوهمية «2 من 2»

|


على الصعيد العالمي، تبلغ الاستثمارات الوهمية مستوى مذهلا قدره 15 تريليون دولار، أو ما يعادل مجموع إجمالي الناتج المحلي السنوي للعملاقين الاقتصاديين -الصين وألمانيا. ورغم المساعي الدولية التي تهدف إلى الحد من التحايل الضريبي، وأبرزها مبادرة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح التي أطلقتها مجموعة العشرين والتبادل التلقائي للمعلومات المتعلقة بالحسابات المصرفية في إطار مبادرة معيار الإبلاغ المشترك، يستمر ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر الوهمي، متجاوزا نمو الاستثمار الأجنبي المباشر الحقيقي.
فقد ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر الوهمي من نحو 30 إلى 40 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي خلال أقل من عقد من الزمان. ويقتصر هذا النمو على الاستثمار الأجنبي المباشر. فوفقا لما ورد في دراسة 2018 Lane and Milesi-Ferretti ارتفعت مراكز الاستثمار الأجنبي المباشر بوتيرة أسرع مقارنة بإجمالي الناتج المحلي العالمي منذ الأزمة المالية العالمية، في حين لم يحدث ذلك بالنسبة لمراكز استثمارات الحافظة والاستثمارات الأخرى عبر الحدود.
ورغم أن الاستثمار الأجنبي المباشر الوهمي يتلقاه في الأساس عدد قليل من الملاذات الضريبية إلا أن جميع الاقتصادات تقريبا -المتقدمة، والأسواق الصاعدة، ومنخفضة الدخل، والنامية- تكون عرضة لهذه الظاهرة.
فمعظم الاقتصادات تستثمر بكثافة في الشركات الوهمية في الخارج وتتلقى استثمارات كبيرة من هذه الكيانات، حيث تتجاوز متوسطات هذه الاستثمارات عبر كل مجموعات الدخل 25 في المائة من مجموع الاستثمار الأجنبي المباشر.
ويمكن أن تشير الاستثمارات في الشركات الوهمية الأجنبية إلى أن الشركات متعددة الجنسيات الخاضعة للسيطرة المحلية تقوم بممارسات التحايل الضريبي.
وبالمثل، تشير الاستثمارات التي يتم تلقيها من الشركات الوهمية الأجنبية إلى أن الشركات متعددة الجنسيات الخاضعة للسيطرة الخارجية تسعى إلى تجنب دفع الضرائب في الاقتصاد المضيف. ومن غير المستغرب أن تعرض اقتصاد ما للاستثمار الأجنبي المباشر الوهمي يزداد مع ارتفاع معدل ضريبة الشركات.
بيانات أفضل من أجل سياسات أفضل. تؤدي العولمة إلى ظهور تحديات جديدة أمام الإحصاءات الاقتصادية الكلية. ففي الوقت الحالي، يمكن لأي شركة متعددة الجنسيات الاستفادة من الهندسة المالية في تحويل مبالغ مالية كبيرة في جميع أنحاء العالم، أو نقل أصول غير ملموسة عالية الربحية بسهولة، أو بيع خدمات رقمية من الملاذات الضريبية دون أن يكون للشركة وجود مادي فيها. ويمكن أن تؤثر هذه الظواهر بشكل كبير في الإحصاءات الاقتصادية الكلية التقليدية؛ حيث تؤدي على سبيل المثال إلى تضخيم أرقام إجمالي الناتج المحلي والاستثمار الأجنبي المباشر في الملاذات الضريبية. ومن الحالات البارزة في هذا الصدد نمو إجمالي الناتج المحلي في إيرلندا بنسبة 26 في المائة عام 2015 بعد قيام بعض الشركات متعددة الجنسيات بنقل حقوق الملكية الفكرية إلى إيرلندا، ووضعية لوكسمبرج كواحدة من أكبر البلدان المتلقية للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم. وللحصول على بيانات أفضل عن عالم معولم، يتعين تعديل الإحصاءات الاقتصادية أيضا.
والشبكة العالمية الجديدة للاستثمار الأجنبي المباشر ذات فائدة في تحديد الاقتصادات التي تتلقى الاستثمارات الوهمية والأطراف المقابلة لهذه الاقتصادات، كما أنها تتيح فهما أوضح لأنماط العولمة. وتوفر هذه البيانات رؤية أعمق للمحللين كما يمكن أن يسترشد بها صناع السياسات في سعيهم نحو التصدي للمنافسة الضريبية الدولية.
ولقي جدول أعمال الضرائب قبولا بين اقتصادات مجموعة العشرين في الأعوام الأخيرة. وتعد مبادرة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح ومبادرة معيار الإبلاغ المشترك مثالين على الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي لمعالجة مواطن الضعف التي تشوب تصميم الضرائب منذ قرن من الزمان، غير أن قضايا المنافسة الضريبية وحقوق البلدان في فرض الضرائب لا تزال دون معالجة إلى حد كبير. لكن على ما يبدو أن هذا الأمر يتغير الآن مع ظهور اتفاق واسع النطاق حول الحاجة إلى إصلاحات كبيرة. وفي واقع الأمر، طرح صندوق النقد الدولي هذا العام بدائل مختلفة لهيكل ضريبي دولي منقح، يشمل الحد الأدنى للضرائب وقصر الحق في فرض الضرائب على اقتصادات المقصد. وبغض النظر عن السبيل الذي يختاره صناع السياسات، هناك حقيقة تظل واضحة، وهي أن التعاون الدولي هو العنصر الأساس للتعامل مع الضرائب في البيئة الاقتصادية المعولمة اليوم.

إنشرها