المحتوى الوطني والمشتريات

|


أسست هيئة المحتوى الوطني والمشتريات الحكومية كأول محاولة منظمة تحت "سقف واحد" لإعادة تنظيم انسيابية الاستثمارات والمصروفات الحكومية الخاصة بتجميع وتسخير أكبر قيمة مضافة ممكنة للاقتصاد الوطني. ليس من المبالغة القول إن الهيئة تقع في نقطة تقاطع رئيسة في إدارة الاقتصاد وبالتالي نجاحها تعبير عن نجاح محاولة المملكة لنقل الاقتصاد إلى مدارات أعلى تدريجيا وتقصيرها تعبير عن عدم القدرة على التعاون. بعض أعمال الهيئة ليس جديدا حتى على مستوى الأنظمة الحكومية التي تحكم المشتريات والعقود ماديا وبشريا. لكننا اليوم أمام حالة تنبئ عن اختلاف جوهري في الطرح من خلال تأسيس الهيئة كحامل الشعلة ومركز التحليل ومسؤول مباشر عن ارتقاء سلم القيمة المضافة.
لفت نظري في العرض بعض النواحي الفكرية والتنظيمية التي تحتاج إلى إعادة صياغة كي نعظم فرص النجاح. دور الهيئة العميق يمكن اختصاره في كتابة خريطة طريق للروابط الأفقية والرأسية وسلسلة الإمداد بغرض تغيير البيئة والوسط الصناعي. يبدو أن ميدان القياس لدى الهيئة من خلال "الإنفاق" بينما الأجدى أن يكون من خلال خريطة فنية اقتصادية تستطيع البناء وتتبع جزئيتين: الأولى، الروابط الرأسية "العلاقة بين مدخلات المنتج وما قبلها وبعدها" مثل سلسلة الصناعات البيتروكيماوية والأفقية "تلك التي تجتمع على اختلافها لتكون عناصر صناعة مستقلة" مثل العلاقة بين المنتجات المكونة لصناعة مواد البناء. والأخرى سلسلة الإمداد بشقيها الداخلي والخارجي. تكوين ونسج هذه الروابط والسلسلة في الاقتصاد يشكل العصب الرئيس ويجد قاعدة متماسكة ومهيأة لنمو عضوي متماسك. توظيف الإنفاق قد يكون مفهوما بسبب الطابع المالي للاقتصاد وخديعة سهولة القياس وحرص البعض على توظيف الأرقام في محاولة جادة للرصد والمتابعة، لكن ما قد يكون سهلا حسابيا قد لا يكون صحيحا اقتصاديا.
في نظري لا بد من مراجعة عميقة وتأمل موضوعي لفهم القوى والمؤثرات الاقتصادية قبل الشروع في نهج تطبيقي للهيئة. النهج الاقتصادي أصعب بكثير ويصعب أن نحقق الأهداف من خلال نموذج تقوده اعتبارات مالية في الأساس. المال أداة لكن المحتوى مادة اقتصادية، الخلط بينهما في الأغلب سيقود إلى الفشل؛ لذلك لا بد من الحرص والدقة. ما زال الوقت مبكرا لإعادة المراجعة والتأطير المناسب بما يخدم الهيئة. لنا قدوة حسنة في مركز كفاءة الطاقة حيث يحقق كثيرا بسبب منطقية الأهداف والجهد المركز والشفافية والابتعاد عن المحاباة. الناحية الأخرى المهمة في نظري تنظيمية، جاء التنظيم الجديد ليجعلها مؤثرة من خلال العلاقة بين المحتوى والمشتريات الحكومية -مصدر قوة إذا وفقت الهيئة في إدارة العلاقة-، فالمحتوى هدف اقتصادي مفصلي بينما المشتريات آلية قوية لتسخير وتعظيم الاستفادة من المصروفات العامة. لا بد من ربط الآلية بالحوافز المؤسساتية كالمنافسة وتفادي النزعة الطبيعية في محاولة استغلال الدعم الحكومي، فهناك دائما يوجد متأهبون للتمصلح.
الهيئة في نقطة تقاطع بين عدة جهات أفقيا ورأسيا بين القطاعين العام والخاص. إضافة إلى ما ذكرت أعلاه في التوصيف الفني لدورها، هذه الأدوار تجعل دورها العميق في البنية التحتية للاقتصاد خاصة الصناعة، والخدمات خاصة الهندسية، والاستشارات يحتاج إلى وقت طويل لكن لا بد أن يبدأ الآن وليس دورا تقليديا يبحث عن نجاحات إعلامية واهية. في نظري تقع الهيئة على مسافة واحدة من وزارتي الصناعة والمالية من ناحية والجهات الاستثمارية خاصة في "أرامكو" وغيرها من الشركات الحكومية والتوجه المهم لصناعة السلاح من ناحية أخرى، لذلك ربما هناك حاجة إلى إعادة النظر في موقعها التنظيمي في القرار الاقتصادي. ربما هناك فرصة حقيقية للاستفادة والتعاون مع تجربة مركز كفاءة الطاقة لأن الأهداف متطابقة ومن الممكن إعداد معايير تخدم حماية الصناعات الوطنية. لا بد أن تكون منظمة اقتصادية في الجوهر وليست مالية كما يبدو من الطرح السائد فهي رابط أساس وصمام أمان؛ نتطلع إلى خريطة منطقية اقتصاديا وعملية تنفيذيا وأن تدعم الهيئة بقوة وأن تحافظ على استقلاليتها بعيدا عن المشاحنات والإهلاك البيروقراطي والمصالح المالية الضيقة.

إنشرها