إشارات «إيجابية» في الحرب التجارية

|


"الاتفاق التجاري مع الصين بات قريبا جدا"
دونالد ترمب، رئيس الولايات المتحدة

عدل المتشائمون من إتمام اتفاق تجاري بين الولايات المتحدة والصين، بعضا من تشاؤمهم في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التوصل إلى اتفاق تجاري "جزئي" مع بكين، وأنه سيوقع في غضون الأسابيع القليلة المقبلة. ورغم أن مثل هذه التصريحات صارت معتادة، دون أن تكون لها آثار حقيقية في الأرض إلا أن الطرفين يتحدثان عن هذا الاتفاق بصورة إيجابية ولا سيما في أعقاب مفاوضات مضنية أخيرة بينهما، وبعد أن هدأت نبرة التهديدات المتبادلة، بل توقفت تماما تصريحات المسؤولين حول فرض رسوم جمركية إضافية على سلع البلدين. والنقطة الأخيرة مهمة جدا لأن المفاوضات كانت تتلقى ضربات بين الحين والآخر من هذه الرسوم الانتقامية التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.
الحرب التجارية الراهنة بين أكبر اقتصادين والمستمرة منذ 15 شهرا تسببت في مشكلات كبيرة عند طرفيها، كما هددت النمو الهش للاقتصاد العالمي إلى درجة إطلاق التحذيرات من المؤسسات الدولية "من بينها صندوق النقد والبنك الدوليان"، من أن هذه الحرب ستنقل اقتصاد العالم إلى الركود، إذا ما استمرت على هذا المنوال. ففي كل تطور سلبي فيها تتلقى الأسواق العالمية ضربات موجعة، وتعاني قطاعات واسعة في الولايات المتحدة والصين مصاعب جمة، ويزداد التوتر على الساحة الدولية. يضاف إلى ذلك تنامي مشكلات صنعت معارك تجارية وليس حروبا بين الولايات المتحدة نفسها وحلفائها التاريخيين في الغرب. هذه المعارك لا تزال مرشحة لأن تتخذ شكل حرب أخرى، سترفع المخاطر على الاقتصاد العالمي كله دون استثناء أحد.
ولذلك، فإن مجرد إعلان ترمب اتفاقا مقبلا مع الصين قفزت سوق "وول ستريت" 1 في المائة، وأسرعت الجهات الدولية لتشجيع هذه الخطوة وطالبت بالإسراع في منحها الشكل الإلزامي القانوني. وانضمت أوروبا على الفور للمؤيدين لأي اتفاق يتم بين واشنطن وبكين، ما يفسح المجال أيضا لحل المشكلات التجارية العالقة بين طرفي المحيط الأطلسي. لا أحد يرغب في نشوب أي حرب تجارية لسبب بسيط وهو أنه لا يكون فيها منتصرون، في حين أن الخسائر ستتسيد المشهد العام. ومرة أخرى، الجانبان أعلنا أنه لا تكون هناك رسوم إضافية في الوقت الراهن، ما يعني أن المنغصات خلال المفاوضات انتهت على الأقل الآن، وأن مشاعر "الانتقام الجمركي" -إن جاز القول- غابت عن الساحة، وأن الهدوء حل مكان التشنج.
النقطة المخيفة حاليا هي أن الاتفاق المطروح جزئيا يشمل المشتريات الزراعية والعملة وبعض جوانب حماية الملكية الفكرية، وهي محاور خلافية كبيرة. إلا أن هناك كثيرا أمام الطرفين للتفاوض حوله في المستقبل القريب الذي يتمنى العالم ألا يتجاوز حلوله نهاية العام الجاري. ومن هنا يجب البناء على الاتفاق الجزئي بصورة عملية وواقعية، لأن أي مؤشر سلبي آخر لهذه الحرب المتفجرة سيعيد المخاوف على الساحة الدولية، خصوصا على صعيد النمو. فالاقتصاد العالمي خرج للتو من براثن الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008، وضربت أركانه ودمرت الثقة بالآليات الاقتصادية التي كانت تعمل قبل الأزمة. وهذا الاقتصاد لا يتحمل بالفعل عواصف ضربات الحروب والمعارك التجارية، ما يدفع إلى الاعتقاد بأن انكماشه لن يكون بعيدا استنادا إلى هشاشته الراهنة.
وعلينا أن ننتظر حتى الشهر الأخير من هذا العام. فالرئيس الأمريكي أوقف بالفعل قراره برفع الرسوم الجمركية على سلع صينية بنسبة 25 في المائة، وتقدر بـ250 مليار دولار، لكنه لم يوقف قراره الآخر بفرض رسوم أخرى تبدأ أول ديسمبر المقبل. أي أن التهديد بالرسوم لا يزال قائما، بينما ستستغرق عملية التوقيع على الاتفاق الجزئي خمسة أسابيع، والصينيون مستعدون بالطبع لفرض رسوم من جانبهم على بعض السلع الأمريكية كإجراءات انتقامية كما حدث أخيرا. أي أن أداة الرسوم بين الطرفين لا تزال قائمة وإن تراجع نشاطها بفضل الاتفاق المشار إليه. ومن هنا يطالب العالم أجمع بالمرونة من الطرفين، وقراءة المشهد الدولي العام بشكل متأن، لأن الأضرار تصيبهما أيضا من خلال ضغوط علاقات قطاعات معينة في الولايات المتحدة والصين.
تقول كريستالينا جيورجيفا، رئيسة صندوق النقد الدولي الجديدة إن الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم ستكلف الاقتصاد العالمي بحلول العام المقبل 700 مليار دولار، ولا بد من تحرك عاجل لمواجهة تباطؤ النمو، ووقف خسائر الحرب التجارية. وهذا الكلام ليس جديدا، لكنه يطلق أرقاما مخيفة عن الخسائر الحتمية. الاتفاق التجاري الجزئي خطوة مهمة بالفعل جاءت في وقت كان فيه التشاؤم سيد الموقف على الساحة الدولية. وإذا تمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق نهائي في فترة قريبة، سيحل كثير من المشكلات التجارية العالقة حاليا، وسيفتح الطريق لنهاية سريعة للمعارك التجارية الراهنة بين الولايات المتحدة وحلفائها.

إنشرها