طبقية الرواتب ومنافع التنفيذيين

|


الطبقية أكبر مشكلة اجتماعية غيرت معالم الاقتصاد، وقد دارت النقاشات حولها قرونا، وابتُكرت النظريات، من أجل فهم وحل هذه المعضلة، ومع ذلك فإنها حتى اليوم في العالم أجمع ما إن تَخْبُ حتى تستعر. ومن المؤكد اليوم أن الاختيارات الاقتصادية لأي مجتمع هي التي تحدد مشكلته الطبقية، ففي فترات ما قبل آدم سميث "أي ما قبل علم الاقتصاد برمته"، كانت الطبقية تجد تفسيرها في الأرض الزراعية، كانت الأرض مصدر الثروة، وملاك الأرض هم أهل الطبقة الأوفر حظا، وعلى الطبقات الأقل حظا قبول ما يترك لهم تعويضا عن قوة عملهم. في حقبة الاستعمار والشركات الاستعمارية، كان التجار الطبقة الأكثر حظا، مع الذهب الذي يأتي من المستعمرات، بوصفه ممثلا جديدا للثروة، وتبدل حال المزارعين من بعدها، وأُعيد تشكيل الحياة الاجتماعية حتى السياسية لتعكس الحقائق الجديدة، حتى أتت الثورة الصناعية الأولى، ومعها ظهرت معالم علم الاقتصاد، وبدت الثروة مزيجا من عدة عوامل، أهمها رأس المال. الرأسماليون طبقة مهيمنة، وعلى العمال في المصانع قبول خيار الطبقة الأقل حظا، ولأن الزراعة لم تعد تذكر مصدرا للثروة، تزايدت أعداد الناس الذين يهجرون مزارعهم، بحثا عن الأجر الذي تمنحه المدن الصناعية. ومع كل موجة تتناقص فيها الأجور حتى الكفاف، ظهرت الماركسية التي كشفت الطبقة الرأسمالية، وقدمت ثورات العمال البلشيفية حلا لمشكلة العمال، وجعلت العمل ومصدر الثروة ومعه العمال الطبقة المهيمنة، وانتهت بحزب دكتاتوري. وهربا من معضلة الدكتاتورية وشؤمها، انتهت الحكومات الغربية إلى حل الحد الأدنى للأجور، لكنها وقعت في فخ المرض الهولندي، ذلك أن فصل أجر العامل عن مستوى إنتاجه، بفرض مستويات محددة للرواتب، دمر الهياكل الصناعية وقدرة الاقتصاد على المنافسة، لكن ترك العمال من دون تحقيق حياة كريمة لهم في المقابل يوجد مشكلة اجتماعية وسياسية معقدة. هنا جاء مفهوم دولة الرفاهية، عندما تتدخل الحكومة في تحديد الأجور عند أقل حد ممكن، ثم تترك الأجور تتحدد فوق ذلك الحد من خلال الإنتاج والمنافسة، وفي الوقت نفسه تُفْصَل رفاهية الإنسان وتمتعه بالحياة الكريمة عن مستوى دخله، فمهما كان مستوى الدخل سيجد الناس المستوى الاجتماعي نفسه والمشاركة، وبذلك حُلَّتْ مشكلة الطبقية من خلال انخراط الجميع في الطبقة الوسطى، ومستويات متقاربة من الخدمة الاجتماعية والصحية والبيئية وحلول التأمينات الاجتماعية، ولوهلة من عمر الأمم بدا هذا الحل رائعا حتى أوائل تسعينيات القرن الماضي. ذلك أن هذه الحلول -رغم جماليتها- إلا أنها تقود إلى مصروفات حكومية ضخمة جدا تتعاظم كل عام، كما أن التقدم في الخدمات الصحية والاجتماعية رفع متوسط العمر –بإذن الله–، وهو الذي جعل حلول التأمينات الاجتماعية تواجه تحديات الاستدامة الهائلة. بدت الرفاهية رائعة، لكنها مكلفة جدا، وجاءت الحلول مريرة من خلال زيادة الضرائب وتخفيض الإنفاق الحكومي، وخصخصة الخدمات الحكومية، تلك الخصخصة التي قادت بعد ذلك إلى تقديم مستويات مختلفة من الخدمات والرعاية، كما أنها قادت إلى ارتفاع الأجور عند مستويات القمة الإدارية، وظهرت طبقة كبار التنفيذيين، على أساس أن الراتب هو مصدر الثروة الجديد.
من الصعب قبول فكرة أن الرواتب تقود إلى الطبقية، ذلك أنها مرتبطة دائما بمفهوم الدخل المحدود، لكن عندما تصبح ذات منافع متعددة، فإنها ليست الأجور التي كان يناقشها ماركس -بكل بؤس- في كتابه عن الأجور والأسعار والربح، ذلك أننا ندرك اليوم أن الشركات والمؤسسات الاقتصادية اليوم ليست هي التي كانت مجرد مصانع وملاك رأسماليين. لقد انفصلت الملكية منذ قرن أو ما يزيد، وأصبحت الأسواق المالية والشركات فيها سيدة الموقف، لكنها أثبتت مع التحولات الهائلة في مطلع هذا القرن أن كبار التنفيذيين قادرون على إيجاد منافع خاصة لهم من قيادة هذه المؤسسات الاقتصادية، أولها الأجور المرتفعة جدا ثم العوائد من الأرباح والنمو وخيارات الأسهم، علاوة على المكافآت المتنوعة الناتجة عن المشاركة في مجالس الإدارات واللجان التابعة، فقد أشارت تقارير دولية إلى أن رواتب الرؤساء التنفيذيين للشركات العالمية زادت بمقدار 500 ألف دولار سنويا خلال العقد الماضي، هذا على مستوى الرواتب فقط. وأشارت تقارير إلى أن مجموع ما تقاضاه عشرة مديرين تنفيذيين في الولايات المتحدة من تعويضات 663.5 مليون دولار خلال العام الماضي، تضمنت هذه التعويضات الرواتب والمكافآت وخيارات الأسهم وحزمة من المزايا. ولا شك أن هذه طبقية واضحة جدا، ذلك أنه من الصعب على أي فلسفة أخلاق أن تفسر هذا الدخل، خاصة أن هذه الشركات التي يقبع على رأسها هؤلاء يعمل فيها آلاف من الموظفين برواتب لا تتجاوز ثلاثة آلاف دولار عند المتوسط على مستوى العالم. هذه الطبقية المقيتة تنتقل بعدواها إلى جميع دول العالم، وهي التي تنذر اليوم بمزيد من الفوضى التي اندلعت مؤشراتها في فرنسا، خاصة مع تزايد الاتجاه نحو الرقمية والأجهزة الذكية التي تسرق الوظائف. علينا وعلى العالم التوقف أمام هذه المسألة كثيرا، ذلك أن الحلول تبدو بائسة تقريبا.

إنشرها