هل تخلينا عن مبدأ الأفضلية والبقاء للمتفوق؟

|


وصل الغرب إلى مراحل من الصناعة والعلم والتطور تكاد تشبه المعجزة. وهو يدخل عصر الذكاء الخوارزمي أو الاصطناعي، لم يبق درب أو مضمار إلا دخله بقوة وطبق عليه مسار الحياة التي تخصه.
وكل مظاهر التفوق التكنولوجي والصناعي والخوارزمي التي وصل إليها الغرب، يبدو أنها لم تفلح في قلع روح التفوق والاستعلاء التي كادت تودي به إلى الهاوية في منتصف القرن الماضي.
مبدأ "البقاء للأصلح" والمتفوق له أفضلية على غير المتفوق له مسحة عنصرية. واستنادا إلى هذا المبدأ، ظهرت حركات يمينية متطرفة آمنت بتفوق عرق معين، وأن الأعراق الأخرى ليست فقط لا ترقى إلى مستواه بل إن بعضها يجب استئصاله من جذوره.
وكانت أوروبا في عصرنا هذا وفي ذاكرة كثير من الأحياء منا مرتعا لأيديولوجيات مثل هذه ولا تزال. وكما قلنا هنا إن الشر يبدأ بمجرد فكرة أو كلمة أو لفظة. والأيديولوجيا كلام أولا والتطبيق والممارسة على أرض الواقع ترافقانها.
ونظرة التفوق والأفضلية أدت إلى كوارث في الغرب بينها حرق ملايين الناس وهم أحياء وحروب مدمرة ضحاياها بعشرات الملايين.
والسؤال الذي يؤرق كثيرين من المفكرين هنا إن كان الغرب قد تخلى عن فكرة أن المتفوق أفضل من غير المتفوق وأن هناك من هو أفضل من الآخر.
وزادت وطأة منح المتفوق الأفضلية بعد بروز الحركات اليمينية والشعبوية التي تستقي بعض أفكارها ومواقفها من تلك التي سادت في منتصف القرن الماضي ومنحت العالم أسوأ وأفظع نماذج لما قد يكون عليه الشر لدى البشر.
وأظهرت الدراسات الحديثة أن الحركات التي نادت بتحسين النسل البشري هي وراء ولادة فكرة أن المتفوق أفضل من غير المتفوق وأن هناك من هو أفضل وعلى الأدنى درجة القبول بواقع عدم تفوقه.
وأظن أن أفضل شريحة تستوعب الدرس الذي تعطيه هذه الحركات هي شريحة المهاجرين في الغرب. من اليسير أن يرى المهاجر أن النظرة العامة إليه تستند إلى كونه غير متفوق وعليه أن يقبل واقع عدم تفوقه في واقع يمتاز عليه بالتفوق.
والفرضية الأساسية التي تأتي بها حركات تحسين النسل تبدو من السخف بمكان، لكن رغم إسفافها لها من الأتباع والممارسات على مستويات لا تحصى.
وتستند فكرة الحركة هذه إلى أن في الإمكان تحسين المجتمعات البشرية من خلال انتقاء النسل، حيث يتم تشجيع الأذكياء والمتفوقين على إنجاب أكثر عدد ممكن وحرمان الذين هم في أعيننا غير متفوقين من الإنجاب.
لا تستغرب عزيزي القارئ وتفكر مع نفسك كيف للبشر أن يقبلوا التفكير في مثل هكذا أمور. ولا تحزن إن قلت لك إن مناهج وأفكارا مثل هذه تتبناها منظمات وحركات ذات صيت ودعا إليها مفكرون وكتاب وشعراء كان لهم دور بارز في تطور التراث والفكر الإنساني ليس في الغرب بل على مستوى العالم.
وأول ما شاع هذا النهج الفكري شاع في أمريكا وبريطانيا. والمصطلح الإنجليزي الذي يشير إلى هذه الحركة هو eugenics واستنبطه عالم بريطاني.
وسرعان ما تبنته مجموعة من مشاهير العلماء على جانبي الأطلسي، نذكر منهم فيرجينا ولف، وجولين هاكسلي، وبيترس ويب، وت. إس. إليوت، وجون كينيس، ووينستون شرشل وغيرهم.
وهناك معتقدان رئيسان يؤكدهما مناصرو حركة تحسين النسل: الأول، احتضان وقبول المتفوقين ضمن المجتمع، والثاني قبول فكرة أن الطبيعة أوجدت مجموعات بشرية غير صالحة اجتماعيا وهذه يجب تحديدها أو إقصاؤها أو إزالتها.
ولا تجوز الاستهانة بمفهوم وحركة تحسين النسل ومبادئها لأنها هي التي قادت الاستعمار إلى التعامل بقسوة مع الشعوب المحلية في الأصقاع التي احتلها إلى درجة استئصال بعض الشعوب المحلية من جذورها.
"الأذكياء هم الذين يجب أن يقودوا" حسب قول الكاتب الشهير ألدس هيكسلي، الذي وصل به الأمر إلى معارضة منح المرأة حق التصويت لأن ذكاءها لا يرقى إلى نصف ذكاء الرجل المتفوق.
رغم فظاعة هذه النظرة وما نتج عنها من مآس، فإن أوجها كثيرة منها لا تزال قائمة. انظر ما يثيره مقتل جندي واحد من الغرب المتفوق وكيف أن موت وقتل المئات من "غير المتفوقين" لا يكترث له أحد.
وانظر كيف نتعامل مع مواطني الدول المتفوقة وكيف نتعامل مع مواطني الدول "غير المتفوقة" في نظرنا.
وانظر كيف أن الكل تقريبا يهرع إلى التنديد بضحايا العنف من العالم المتفوق، والضحايا بالجملة من العالم "غير المتفوق" لا يكترث بهم أحد.
وآخر ظاهرة ذات مدلول كانت التعميم الذي أصدرته إحدى الجامعات ونقلته وكالات الأنباء تقول فيه: لا مانع من حضور الطلبة "غير المتفوقين" حفل تخرج الطلبة المتفوقين. ولله في خلقه شؤون.

إنشرها