FINANCIAL TIMES

دراجي يترك لخليفته بنكا منقسما وهامشا ضيقا للمناورة السياسية

في آخر اجتماع يشارك فيه بوصفه رئيسا، قدم ماريو دراجي طلبا خاصا للأعضاء الآخرين في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، الجالسين حول طاولة مستديرة في الطابق رقم 41 في المقر الرئيسي في فرانكفورت.
الإيطالي البالغ من العمر 72 عاما حثهم على عدم تقديم إحاطات غير رسمية إلى وسائل الإعلام ينتقدون فيها حزمة التحفيز النقدي الطموحة التي قرروها للتو.
رد كلاس نوت رئيس البنك المركزي الهولندي، على ذلك قائلا: "لا تقلق"، وفقا لعدد من الأشخاص الحاضرين في ذلك اليوم. وتابع: "سأفعل ذلك بصورة رسمية".
ما أعقب ذلك كان أحد أعنف ردود الفعل من قبل أعضاء المجلس ضد أي سياسة طرحها دراجي في سنواته الثماني في رئاسة البنك المركزي الأوروبي - قبل أسابيع فقط من تسليم منصبه إلى كريستين لاجارد.
في الأسبوعين التاليين للاجتماع، رؤساء البنوك المركزية الألماني والفرنسي والهولندي والنمساوي عارضوا علنا آخر التدابير التي اتخذها البنك المركزي الأوروبي، بما في ذلك خفض أسعار الفائدة إلى مستوى قياسي منخفض يبلغ سالب 0.5 في المائة وإعادة تشغيل برنامج التسهيل الكمي الخاص بمشتريات السندات.
في الأسبوع الماضي، سابين لوتينشلاجر، ممثلة ألمانيا في المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، أصبحت نقطة محورية في الانقسام بتقديمها استقالتها قبل عامين من انتهاء فترتها. وأعلنت أخيرا معارضتها لسياسة البنك المركزي الأوروبي.
البلدان الأربعة التي أعلن رؤساء البنوك المركزية فيها معارضتهم، تشكل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو، ما أثار تساؤلات محتملة حول مشروعية قرار البنك المركزي الأوروبي.
هذا لا يؤثر إلا قليلا في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، حيث يجلس الأعضاء بوصفهم أفرادا وليسوا ممثلين وطنيين، والتصويت الرسمي نادر.
دراجي الذي احتفظ بمذكرة دون عليها وجهات النظر المختلفة لأعضاء المجلس، مستخدما قلمين باللونين الأحمر والأسود ـ لا يزال يحتفظ بها ـ أخبر وسائل الإعلام بعد ذلك أن هناك ما يكفي من "الأغلبية الواضحة" لصالح القرار، ما لا يجعل هناك حاجة إلى التصويت.
استنادا إلى أشخاص شاركوا في الاجتماع، أبدى عشرة من أصل 25 عضوا تحفظات على عناصر الحزمة، وأظهر ثمانية منهم معارضتهم بوضوح.
الانقسامات العميقة داخل المستويات العليا للبنك المركزي الأوروبي تثير أسئلة مهمة. هل يجعل الانقسام مزيدا من التسهيل النقدي أمرا أكثر صعوبة؟ هل يمكن للاجارد التي أشارت إلى أنها تدعم استراتيجية دراجي، أن تعالج الانقسامات؟ أم أنها ستضطر لتغيير المسار؟
داني كيرياكوبولو، كبير الاقتصاديين في مركز الدراسات المصرفية المركزية OMFIF، اعتبر أن "دراجي يمهد الطريق أمام لاجارد من خلال تحديد الخيارات بوضوح. لكن المعارضة السياسية التي بدأنا نراها ستكون شيئا يجب على لاجارد التعامل معه".
لا يوجد موقع المعارضة فيه لقرار البنك المركزي الأوروبي الأخير أقوى من ألمانيا. ينس فيدمان، رئيس البنك المركزي الألماني، أعلن غداة الاجتماع أن البنك تعدى الحدود وأن سياساته ستؤذي المدخرين والمتقاعدين.
فيدمان فاجأ البنك المركزي الأوروبي بتقديمه هذه التعليقات إلى "بيلد تسايتونج"، الصحيفة الشعبية الألمانية، التي كانت تشن حملة ضد أسعار الفائدة السلبية وصورت رئيس البنك المركزي الأوروبي على أنه "كونت دراجيلا" يمتص الأموال من حسابات المدخرين.
عارض فيدمان برنامج البنك المركزي الأوروبي لشراء السندات من حيث المبدأ منذ أن بدأ قبل أربعةأعوام. قال لـ"بيلد": "سأفعل ما بوسعي لضمان عدم تأجيل الزيادات في أسعار الفائدة لفترة أطول من اللازم".
قال أشخاص مطلعون على المناقشات إن فيدمان أيد تخفيض أسعار الفائدة وأعرب عن تحفظه على منح المصارف إعفاء جزئيا من أسعار الفائدة السلبية على الودائع في البنك المركزي من خلال نظام "متدرج". فاجأ هذا المسؤولين في البنك المركزي الأوروبي، لأن السياسة المتدرجة تساعد المصارف الألمانية على تجنب نقل التكاليف إلى المودعين. قال البنك المركزي الألماني إنه لم يعارض هذا.
يتبع معظم منتقدي تدابير التخفيف منهجا أقل تشددا، قائلين إن شراء السندات مفرط في هذا الوقت، بالنظر إلى أسعار الفائدة المنخفضة للغاية.
فرانسوا فيليروي دي جالهاو، محافظ بنك فرنسا، قال الأسبوع الماضي: "أعتقدت أن عمليات الشراء الإضافية ليست ضرورية في الوقت الحالي، بالنظر إلى المستويات المنخفضة للغاية لكل من أسعار الفائدة طويلة الأجل والعقود الطويلة الأجل".
ماديس مولر رئيس البنك المركزي الإستوني، وبينوا كوري عضو المجلس التنفيذي، أدليا بنقاط مماثلة خلال اجتماع البنك المركزي الأوروبي.
آخران أعربا عن شكوكهما في الاجتماع، هما إيف ميرش ولويس دي جيندوس، وكلاهما عضو في المجلس التنفيذي. أبدى ميرش تحفظات على إعادة تشغيل التسهيل الكمي، في حين أن دي جيندوس كان قلقا بشأن تأثير خفض أسعار الفائدة في النظام المصرفي. لكن كلاهما وافق في النهاية على دعم الحزمة.
تضفي الانقسامات أهمية إضافية على اختيار برلين بشأن من سيحل محل لوتينشلاجر - وما إذا كانت تفضل شخصا متشددا آخر أو شخصا أكثر دعما للتسهيل النقدي. كاترينا أوترمول، كبيرة الاقتصاديين في شركة أليانز الألمانية للتأمين، اعتبرت "هذه فرصة لعلاج بعض الجروح".
أطلقت أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، مذكرة تصالحية الأسبوع الماضي داعية حكومات منطقة اليورو إلى بذل مزيد من الجهد على صعيد الإصلاح الهيكلي والسياسة المالية لتخفيف الضغط على البنك المركزي الأوروبي. قالت: "المهمة السياسية التي لدينا هي بالطبع عدم زيادة العبء على السياسة النقدية".
يرفض مسؤولو البنك المركزي الأوروبي فكرة أن الانقسامات ستمنع أي إجراءات تخفيف أخرى.
ويعتقد بعض الاقتصاديين أن قرارات دراجي الوداعية ساعدت على تخفيف الضغط على خليفته - التي من غير ذلك كانت ستواجه خلافا من يومها الأول في العمل. لكن آخرين يقولون إن الانقسامات العنيفة في المجلس قوضت تأثير حزمة التسهيلات، وأدت إلى ارتفاع أسعار الفائدة بعد الاجتماع، لأن المتداولين راهنوا على أنها إجراء تخفيض آخر في أسعار الفائدة أمرا أقل احتمالا.
هذا، إضافة إلى الحاجة إلى الدفاع عن شرعية البنك المركزي الأوروبي، يجعل من إعادة بناء الإجماع أولوية بالنسبة للاجارد.
أوليفييه بلانشارد، الذي شغل منصب كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي تحت قيادة لاجارد ويعمل الآن أستاذا في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، قال: "الخلاصة هي أن دراجي ربما جعل حياة كريستين لاجارد أسهل بوضعه جميع القضايا على الطاولة قبل أن تبدأ". وأضاف: "لكنها لا تزال ترث وضعا صعبا جدا، لأن من الواضح أن السياسة النقدية – التقليدية منها وغير التقليدية - ليس فيها متسع كاف للحركة".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES