الاقتصاد العالمي في حالة تباطؤ متزامن

|

يسرني أن أبدأ مقالي بهذا السؤال: ما الذي يمكننا جميعا القيام به للمساعدة على إصلاح التصدعات التي مني بها الاقتصاد العالمي وتشجيع الوصول إلى نمو أقوى؟ ومن حسن الحظ أنه ليس علي القيام بذلك وحدي. فلدي دعم من هذه المؤسسة العظيمة، ومجلسها التنفيذي المتمرس، وخبرائها ذوي المهارات عالمية المستوى.
منذ عامين، كان الاقتصاد العالمي في حالة انتعاش متزامن، وقياسا على إجمالي الناتج المحلي، كان 75 في المائة من العالم تقريبا يشهد نشاطا اقتصاديا متسارعا. واليوم يتحول جزء أكبر من الاقتصاد العالمي للعمل على نحو متزامن، ولكن للأسف، فإن النمو آخذ في التباطؤ هذه المرة. ونتوقع تباطؤ النمو عام 2019 في نحو 90 في المائة من بلدان العالم، فالاقتصاد العالمي أصبح الآن في حالة تباطؤ متزامن.
ويعني هذا التباطؤ المستشري أن النمو سيهبط هذا العام إلى أدنى معدلاته منذ بداية هذا العقد، وسننشر لاحقا تقريرنا عن آفاق الاقتصاد العالمي الذي سيتضمن خفضا للتوقعات الموضوعة سابقا لعامي 2019 و2020.
وتعكس الأرقام الكلية موقفا معقدا. ففي الولايات المتحدة وألمانيا، نجد البطالة في مستويات منخفضة تاريخية. لكن عبر الاقتصادات المتقدمة بما فيها الولايات المتحدة واليابان، خاصة منطقة اليورو، هناك تراجع في النشاط الاقتصادي.
وفي بعض اقتصادات الأسواق الصاعدة الكبرى، كالهند والبرازيل، نرى التباطؤ أكثر بروزا هذا العام.
وفي الصين بدأ النمو ينخفض تدريجيا عن المعدلات السريعة التي سجلها لأعوام عديدة، وتفرض الآفاق المحفوفة بالمخاطر تحديات أمام البلدان التي تواجه مصاعب بالفعل، بما في ذلك بعض البلدان المرتبطة ببرامج مع الصندوق.
ورغم هذا التباطؤ الكلي، فمن المتوقع أن تتجاوز معدلات نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي 5 في المائة في نحو 40 اقتصادا للأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، بما فيها 19 في إفريقيا جنوب الصحراء.
إذن ما سبب التباطؤ في 2019؟ هناك مجموعة من القضايا وخط واحد مشترك: التصدعات.
وسأبدأ بالتجارة. فقد سبق أن تحدثنا من قبل عن أخطار المنازعات التجارية. ونرى الآن أن آثارها السلبية بدأت تتحقق بالفعل. ويكاد نمو التجارة العالمية يصل إلى حالة توقف تام بالفعل.
ويرجع ذلك في جانب منه إلى التوترات التجارية، والضعف الكبير الذي أصاب النشاط الصناعي والاستثمارات على مستوى العالم. وهناك احتمال كبير بإمكانية تأثر الخدمات والاستهلاك في وقت قريب. وتستمر التصدعات في الانتشار.
فالمنازعات تمتد الآن إلى عدة بلدان وتشمل قضايا حيوية أخرى. فالعملات عادت إلى الأضواء من جديد، ولأن اقتصاداتنا مترابطة فقد يصل التأثير قريبا إلى كثير من البلدان الأخرى. ويؤدي عدم اليقين المدفوع بالتجارة، وكذلك بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتوترات الجغرافية السياسية إلى كبح إمكانات الاقتصاد.
حتى إذا انتعش النمو عام 2020، فقد تتسبب التصدعات الحالية في تغييرات تستمر طوال جيل كامل، سلاسل العرض المتقطعة، وقطاعات التجارة المنعزلة، و"جدار برلين الرقمي" الذي يحمل البلدان على الاختيار بين أنظمة التكنولوجيا. وينبغي أن يكون هدفنا هو رأب هذه التصدعات. فعالمنا متداخل، ومن ثم يجب أن تكون استجاباتنا منسقة. وأعتقد أنه بإمكاننا القيام بذلك. كيف؟ نبدأ بإطلاق قدرات التجارة على توليد النمو.
إن إطلاق إمكانات التجارة حيث قلت إن تأثير التوترات التجارية بدأ يظهر. وأود أن أريكم ما أعنيه بذلك، والنتائج واضحة، فالكل خاسر في الحروب التجارية، وبالنسبة للاقتصاد العالمي، يمكن أن يعني الأثر التراكمي للصراعات التجارية خسارة نحو 700 مليار دولار بحلول عام 2020، أو نحو 0.8 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وللتوضيح، فإن هذا يقرب من حجم الاقتصاد السويسري بالكامل.
وبالتالي، نحن بحاجة إلى العمل معا، الآن، وإيجاد حل دائم للتجارة، ويتطلب هذا قرارات صعبة وإرادة سياسية. لكنه يستحق. إننا بحاجة إلى تغيير حقيقي. فينبغي للبلدان معالجة الشواغل المشروعة المتعلقة بممارساتها التجارية. ويعني هذا التعامل مع قضية الدعم، وكذلك حقوق الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا.
ونحتاج أيضا إلى نظام تجاري عالمي أكثر حداثة، ولا سيما لإطلاق الإمكانات الكاملة للخدمات والتجارة الإلكترونية. ويجب على كل بلد أن يقوم بمزيد لمساعدة المجتمعات المحلية المتضررة من الاختلالات المرتبطة بالتكنولوجيا والتجارة. والمفتاح هنا هو تحسين النظام، وليس التخلي عنه.
ويعد الوصول إلى الأسواق الجديدة أمرا ضروريا لرفع مستويات المعيشة. إنه جزء من إجابة سؤالنا عن معالجة التصدعات. لكن ماذا عن الجزء الآخر؟ تشجيع الوصول إلى نمو أعلى وتوفير مزيد من الفرص؟
حين يتعلق الأمر بتحسين حياة الناس، فإن العمل الشاق يبدأ من الداخل. تعلمت هذا الدرس بشكل مباشر في أعوام نشأتي خلف الستار الحديدي. رأيت التكاليف العالية للسياسات السيئة. ورأيت أيضا كيف يمكن من خلال التحول إلى سياسات جيدة مصحوبة بالدعم الدولي، المساعدة على وضع أي بلد ومواطنيه على مسار الرخاء من جديد.
ولذلك، أود التركيز على أولويات السياسات المحلية التي نرى أنها عامل حاسم في تسريع النمو وبناء اقتصادات أكثر صلابة، ثم أود الحديث بعدها عن كيف يمكن أن يساعدنا تجديد الالتزام بالتعاون الدولي، وإجراءات السياسة المتزامنة على معالجة ما نعانيه من تصدعات بصورة أشمل.

إنشرها