وجه الإنسان في ابتكارات علمية

|

الوجه في الإنسان عنوان يعبر غالبا عن مضمون في شخصه، وكي نكون أكثر دقة نقول إنه يعبر عن حالة هذا المضمون، في الوقت الذي يجري النظر إليه، أي أن للزمن دورا في هذا التعبير، لأن حالة الإنسان تتغير بين لحظة وأخرى تبعا لما يواجهه من معطيات. ولحالة الإنسان المتغيرة جانبان رئيسان: الجانب الصحي المادي، الذي يوصف بـ"الفيسيولوجي" Physiological؛ والجانب النفسي العصبي، الذي يوصف بـ"السيكولوجي" Psychological؛ وهناك حالات مختلفة تربط بين الجانبين. يعبر الوجه عن الإرهاق وعن التعب، وربما عن المرض أيضا، كما يعبر عن الراحة والحيوية، والصحة والعافية؛ ويعبر كذلك عن التوتر والغضب، كما يعبر عن السعادة والانشراح.
يستطيع الإنسان أن يقدر حالة كل إنسان يراه من النظر إلى وجهه، وربما يكون مثل هذا التقدير أكثر اقترابا من الحقيقة مع الوجوه التي يعرف الإنسان أصحابها، انطلاقا من خبرته في التعامل معهم، وفي التعبيرات التي تظهر على وجوههم. ويوصي "الذكاء العاطفي" Emotional Intelligence بالنظر إلى وجوه الناس وتلقي الإشارات عن حالاتهم، من أجل حسن التعامل معهم، بما يتناسب مع هذه الحالات. ويرى هذا الذكاء أن قراءة الإنسان لوجوه الآخرين قابلة للتحسن مع تدريب الإنسان على ذلك، كما يؤكد فائدة هذا الأمر في نجاح الإنسان في علاقاته الاجتماعية. ويقول دانيال جولمان Danial Goleman، الخبير في مجالات هذا الذكاء، إن الذكاء العاطفي بات مطلبا مهما من متطلبات التوظيف في المؤسسات في مختلف المجالات، نظرا لأثره الإيجابي في تطوير سلوك الإنسان وبناء علاقات حسنة مع الآخرين داخل المؤسسة التي يعمل فيها أو خارجها.
لم تشأ التقنية، وبالذات تقنيات الذكاء الاصطناعي AI وما يرتبط بها، أن تدع الإنسان يعمل بفطرته فقط في النظر إلى وجوه الآخرين، وضبط سلوكه على أساس ذلك. فقد قدمت وتقدم مبتكرات متجددة، ليس فقط لمساعدته على ذلك، بل لاستكشاف مزيد من المعلومات الفيسيولوجية والسيكولوجية عن حالة الإنسان. والوسيلة إلى ذلك صورة وجهه عبر الكاميرات المألوفة، أي المماثلة لتلك المتاحة في أجهزة الهاتف الجوال. وهناك فريق بحثي صيني - كندي يعمل على ذلك، محققا إنجازات واضحة في هذا المجال، وآملا في مزيد. نشر هذا الفريق، في يوليو 2018، تقريرا عن عمله ضمن التقارير العلمية Scientific Reports التي تنشرها المجلة الدولية، "الطبيعة" Nature واسعة الانتشار. كما قام كانج لي Kang Lee، أحد أعضائه عام 2016 أي قبل نشر التقرير، بإلقاء محاضرة عامة بشأنه في "جامعة تورنتوU of T" ضمن برنامج محاضرات "تيد TED".
طور الفريق البحثي المذكور تقنية جديدة تدعى "تقنية التصوير المرئي عبر الجلد" Transdermal Optical Imaging، أي تصوير شرايين الوجه المغطاة بجلد الإنسان من خلال كاميرا؛ كما استخدم تقنيات تعلم الآلة Machine Learning في قراءة معطيات هذه الصور. واعتمد في هذه القراءة على الاكتشافات الطبية الخاصة بالمعلومات عن "حالة الإنسان" التي يعكسها تدفق الدم ضمن شرايين الوجه، وبالذات في إطار خمس مناطق منه. ووجد في هذا المجال أن مدى تركيز البروتين الأحمر، المعروف "بالهيموجلوبين" Hemoglobin، في الدم المتدفق عبر شرايين الوجه في لحظة معينة، يحمل معلومات مهمة عن حالة الإنسان في هذه اللحظة. وكمثال على ذلك تبين أن تركيز هذا البروتين الأحمر في الدم يزداد في منطقة الأنف ويقل عند الوجنتين عندما يلجأ الإنسان إلى الكذب -لا سمح الله.
شملت المعلومات الطبية الأولية التي تمكن فريق البحث من الحصول عليها من خلال تصوير وجه الإنسان وعبر تقنياته المبتكرة كلا من: نبض الإنسان، ودرجة توتره، ومزاجه الشخصي، ومدى وجود ألم ما في جسده. وقد عرض كانج لي Kang Lee في محاضرته سابقة الذكر صورة لمرشحي الرئاسة الأمريكية عام 2016: جيب بوش Jeb Bush ودونالد ترمب Donald Trump؛ وبين في هذه الصورة حالة كل منهما في لحظة من لحظات المنازلة الحوارية بينهما. فقد كان بوش متوترا، ومرتفع النبض، وفي مزاج سيئ؛ وكان ترمب في مزاج سيئ أيضا، لكنه لم يكن متوترا، ولم يعان ارتفاع النبض. ويعمل فريق البحث حاليا على الكشف عن مزيد من المعلومات من خلال صور الوجه، وعلى رأس هذه المعلومات التعرف على ضغط الدم بشقيه "الانقباضي" Systolic و"الانبساطي" Diastolic.
يتمثل الابتكار سابق الذكر في قدرته على قراءة وجه الإنسان عبر تقنية يمكن إتاحتها على نطاق واسع بتكاليف محدودة. فآلة التصوير المطلوبة بسيطة وموجودة في كل مكان؛ والذكاء الاصطناعي، الكاشف للمعلومات القادمة من مناطق شرايين الوجه عبر الجلد، برامج كامنة يمكن احتواؤها في أي جهاز إلكتروني حديث، بما في ذلك أجهزة الهاتف الجوال. يضاف إلى ذلك، الفوائد الكثيرة التي يقدمها هذا الابتكار لمستخدميه. فهو يعطي عبر الصور والمعلومات التي يكشفها إنذارات صحية مطلوبة يمكن أن تنقذ الإنسان من حالات صعبة قد يمر بها. ويتم مثل ذلك من خلال آلات تصوير توضع في الأماكن العامة للنظر في حالة الناس هناك. وربما يتم أيضا عبر صور "سيلفي" Selfie، ثم إجراء التحليل اللازم لاستخراج المعلومات المطلوبة منها.
لا شك أن بساطة متطلبات هذا الابتكار وتوافرها على نطاق واسع، مقرونة بفوائد معطياته التي يمكن أن تعزز الذكاء العاطفي في الإنسان، وترتقي بسلوكه، يمكن أن تسهم في إنقاذ حياته في الحالات الحرجة؛ كل ذلك يجعل هذا الابتكار قابلا للتسويق والانتشار حول العالم. ولعل من المتوقع أيضا، ألا يقف الباحثون عندما قدموا فقط، وإنما يعملون على تحقيق مزيد من الكشف عن المعلومات الكامنة في الوجه، والسعي إلى تحليلها والاستفادة منها. ويضاف إلى ما سبق، أن هذه التقنية الجديدة، بأفكارها المبتكرة، والواعدة بمزيد يمكن أن ترتقي بشفافية التعامل بين الناس، وتسهم في جعل العالم أكثر توافقا وصدقية في المستقبل.

إنشرها