أخبار اقتصادية- عالمية

قطاع المصارف العالمي يتلقى أولى ضربات الركود الاقتصادي .. شطب آلاف الوظائف

تعد معدلات التوظيف في أي قطاع من القطاعات الاقتصادية، واحدة من أبرز المؤشرات على تحسن الوضع الاقتصادي أو تدهوره.
ومن الواضح، وفقا لهذا المؤشر، فإن قطاع البنوك العالمي، يواجه مصاعب جمة تبدو انعكاسا مباشرا للأوضاع المقلقة للاقتصاد الدولي ككل.
بل إن بعض الاقتصاديين يعتقد أن تراجع نسب التوظيف وزيادة معدلات إنهاء الخدمات الوظيفية في قطاع البنوك، يمكن أن يكشف لنا عن أي المناطق الاقتصادية، التي قد تصاب بأول ضربات الركود الاقتصادي، الذي يخيم شبحه الآن على الاقتصاد الدولي.
وتشير الأرقام المتاحة حاليا إلى أن قطاع البنوك قام بتسريح 60 ألف موظف منذ بداية العام إلى نهاية الشهر الماضي، ومع إعلان بنك "إتش إس بي سي" نيته في الاستغناء عن خدمات ما يصل إلى 10000 موظف، في إطار خفض التكاليف، ومن المتوقع أن يقترب عدد العاملين في قطاع البنوك، الذي تم إنهاء أعمالهم هذا العام نحو 70 ألف موظف.
ومن المنطقي أن تنال التخفيضات في عدد العاملين في القطاع البنكي من أصحاب الوظائف العليا ذات الأجور المرتفعة، لكنها ستطول أيضا عديدا من الوظائف الأدنى، بحيث يقدر عدد من سينهي البنك البريطاني وظائفه لديه بنحو 4 في المائة من إجمالي القوى العاملة في البنك.
ويقول لـ "الاقتصادية"، إل. إس. براون" الخبير المصرفي، إن "بيئة الاقتصاد العالمي، التي تعمل فيها البنوك ذات الطبيعة الدولية، مليئة بالتحديات المرتبطة بانخفاض أسعار الفائدة الأمريكية، والطلاق الصعب بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وتراجع معدلات النمو في الصين، واضطرابات هونج كونج، وتقلبات أسعار النفط العالمي، جميعها عوامل تضعف نمو المصارف العالمية، وتدفعها إلى خفض عدد العاملين لديها".
ويتعرض المديرون التنفيذيون في كبرى البنوك العالمية وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، إلى ضغط شديد من المستثمرين لخفض تكاليف الإنتاج وزيادة الأرباح.
وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال، ومنذ بدأت أسعار الفائدة طويلة الأجل في الانخفاض في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، انخفض مؤشر أسهم البنوك الأمريكية 5 في المائة، في حين ارتفع مؤشر ستاندر آند بورز 500 للأسهم 6 في المائة، وهو ما يضع البنوك في موقف ضعيف أمام أسواق المال.
ومع هذا يظل وضع البنوك الأمريكية والآسيوية أفضل من نظيرتها الأوروبية، التي تتحمل الجزء الأكبر من عملية إنهاء الوظائف وتسريح العاملين على المستوى العالمي، فمؤشر ستوكس، الذي يرصد حركة البنوك الأوروبية فقد خلال الـ11 شهرا الماضية نحو 16 في المائة من قيمته، ليسجل بذلك أدنى مستوى له في ثلاثة أعوام.
ويوضح لـ "الاقتصادية"، مورسون أيك الخبير الاستثماري "بالطبع تختلف الأسباب من بنك إلى آخر حول دوافعه لإنهاء خدمات العاملين لديه، ومع هذا يمكن رصد مجموعة من العوامل التي تجعل البنوك الأوروبية في مقدمة البنوك العالمية في تسريح قوة العمل لديها".
ويضيف مورسون أيك أن التوقعات الخاصة بعوائد البنوك الاستثمارية تزداد صعوبة، ومن الصعب حاليا على البنوك الأوروبية تحقيق أرباح في ظل أسعار فائدة صفرية أو سلبية، كما أن بنوك القارة العجوز تقوم بعملية أتمتة واسعة النطاق، ما يتطلب منها التخلي عن جزء كبير من الأيدي العاملة لديها، والبنوك الأوروبية تواجه تغيرات ملحوظة فيما يتعلق بصور إيراداتها، فما يعرف بقواعد "بازل 4" وهو إجراء سيدخل حيز التنفيذ في عام 2022 سيزيد من متطلبات رأس مال البنوك، وسيدفع هذا الإجراء إلى التقليص في الأنشطة البنكية في مجالات مثل تداول الأسهم ومكاتب الصرف الأجنبي وحتى السندات.
ويعتقد عدد من الخبراء أن الأوضاع الصعبة للبنوك الأوروبية، تعكس بدرجة أو بأخرى عدم قدرة الاقتصاد الأوروبي ككل على الخروج أو على الأقل الخروج قوة الاقتصاد الأمريكي نفسه من أزمة 2008 المالية، معتبرين أن الهيكل الاقتصادي لبلدان الاتحاد الأوروبي، لا يزال مليئا بالثغرات، وجوانب القصور التي تكشف أن ميكنزمات عمل الاقتصاد الكلي لم تفلح في العودة بعد إلى العمل السلس، كما أنها لا تتمتع بالمرونة الكافية، وهو ما يجعل الاقتصاد الأوروبي من وجهة نظر البعض المرشح الأول للإصابة ببلاء الركود الاقتصادي
في هذا الإطار، يشير بعض الخبراء إلى ضرورة عدم النظر إلى عملية إنهاء الوظائف في القطاع البنكي العالمي وتحديدا الأمريكي والأوروبي باعتبارها أزمة توظيف، أو أنها انعكاس لأزمة وقتية متعلقة فقط بانخفاض أسعار الفائدة أو تحديات الربحية التي تواجهها البنوك الأوروبية والأمريكية، وإنما يدعون للنظر إليها في إطار أكثر شمولية يتعلق بانتقال مراكز ثقل الاقتصادي العالمي بعيدا عن مراكزها التقليدية في القارة الأوروبية والولايات المتحدة.
فأزمة التوظيف البنكي في أوروبا والولايات المتحدة، أحد مظاهر انتقال مراكز الثقل في الاقتصاد العالمي تدريجيا إلى آسيا، وهو ما يمكن النظر إليه في تفكير عدد من كبار البنوك الدولية من بينها بنك "إتش إس بي سي" في نقل مقاره الرئيس إلى هونج كونج.
وعلى الرغم من الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد الصيني واقتصاد شرق وجنوب شرق القارة الآسيوية، فهناك قناعة عامة بأنها أزمات عابرة لاقتصادات تسير في اتجاه المستقبل والهيمنة عليه، بينما تفقد أوروبا مركزيتها في الاقتصاد العالمي تدريجيا.
وفي الواقع، فإن كثيرا من الحقائق التي تمدنا بها البيانات الآسيوية، تشير إلى حقيقة هذا التحول، فتوقعات بنك التنمية الآسيوي تظهر زيادة بنحو ستة أضعاف في دخل الفرد الآسيوي بحلول منتصف القرن، بينما ستمثل القارة الآسيوية 53 في المائة من النتاج المحلي الإجمالي العالمي، وسيكون هناك نحو ثلاثة مليارات آسيوي يبحثون عن خدمات مصرفية تعزز من قدرتهم المالية.
الدكتورة إلين جورج أستاذة الاقتصاد الآسيوي في جامعة لندن تدافع عن وجهة النظر تلك، وتقول لـ"الاقتصادية"، إن "الاقتصاد الدولي لا يواجه فقط أوضاعا صعبة، وسط احتمال شبه أكيد بالاقتراب من مرحلة الركود، وهذا أحد جوانب المشكلة، ولكن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة انتقالية تتراجع فيها مراكزه التقليدية لمصلحة بروز مراكز جديدة، بالطبع تلك العملية لن تتم خلال أعوام، وإنما ستأخذ فترة زمنية طويلة، كما أنها تتصف بالتعقيد وتتميز باضطرابات نوعية وحالة دائمة من المد والجزر".
وتضيف إلين، أن "القطاع البنكي ونظرا لحساسيته الشديدة، يكون غالبا أو من يستشعر تلك التحولات، وبالطبع هناك الضغوط، التي تتعرض لها البنوك بشأن انخفاض الربحية، لكنها ضغوط تمثل جزءا من مشهد اقتصادي أكثر تعقيدا، يؤسس لمرحلة جديدة تبرز فيها الاقتصادات الآسيوية، وتبرز معها منظومة بنكية جديدة تساندها وتمثل تحديا حقيقيا لمنظومة المصارف العالمية الراهنة، التي تسعى لتطوير نفسها من خلال خفض الحجم لتكون أكثر رشاقة في مواجهة البنوك الآسيوية التي تعد المارد البنكي القادم".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية