FINANCIAL TIMES

لماذا لا يشتري أحد النحاس اللازم لعالم أكثر اخضرارا؟

لم يعد هناك كثير من الخلاف حول الحاجة إلى سياسة عالمية لإزالة الكربون. حتى الحكومة الروسية تشير إلى أنها ستوقع اتفاقيات باريس للمناخ. وشركات النفط الدولية تتحدث عن منتجاتها باعتبارها وقودا "انتقاليا"، وتنثر صورا عن إنتاج الوقود الحيوي والألواح الشمسية في تقاريرها السنوية.
لم تعد جريتا ثونبيرج مجرد فتاة، بل أيقونة. كان الناس يشعلون الشموع أمام صورتها، لكن هذا التصرف من شأنه زيادة عبء الانبعاثات.
فلماذا لا يريد أحد شراء النحاس اللازم لعالم أكثر اهتماما بالبيئة؟ خلال الشهر الماضي، اتفقت كل المنتديات العالمية المهتمة بالأثر الكربوني الخطير على أنه ينبغي لنا إيقاف انبعاث هذه المادة.
تمت الموافقة على موارد الطاقة المتجددة من جميع هذه المجموعات من الأشخاص المحترمين والمهمين. طاقة الرياح والطاقة الشمسية تتطلب ما بين ثلاث إلى 15 ضعف كمية النحاس اللازمة لوحدة توليد الطاقة من الوقود الأحفوري. هذا بعد عقود من التطور التكنولوجي وتحسينات الكفاءة.
يمكن التخلي عن بعض المعادن مقابل معادن أخرى. قللت "تسلا" محتوى الكوبالت في بطاريات سياراتها وزادت من محتوى النيكل. ثم رفعت محتوى الكوبالت مجددا عندما انخفضت أسعار الكوبالت وأصبحت الأسئلة المتعلقة بالموثوقية أكثر حدة.
لكن محتوى النحاس من الصعب إدارته إلى حد كبير. تم الانتهاء من بدائل سهلة من الألومنيوم بالفعل. ويعد النحاس مجرد موصل للحرارة والكهرباء لا يمكن التخلص منه.
مع ذلك، حاول سعر النحاس، الواهن، الانتعاش في نهاية الصيف، لكنه تراجع مجددا بعد منتصف أيلول (سبتمبر). في بداية تشرين الأول (أكتوبر)، بالكاد حافظ سعر النحاس في بورصة لندن للمعادن على أكثر من 5600 دولار للطن الواحد. يعد ذلك أعلى من تكاليف التشغيل للمناجم الحالية، لكن ليس في مكان قريب بما يكفي لجذب الاستثمار إلى مناجم جديدة، بافتراض أن شخصا
ما وجد هذه المادة، وقاس الرواسب، ووضع وسائل النقل وإمدادات المياه، ورتب جميع التصاريح.
أسعار أسهم شركات التعدين تنجرف ببطء نحو القاع، ويطفو الباقي منها من خلال إدراجها في صناديق المؤشرات المتداولة والمؤشرات العامة. قد تتعرض شركات التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما إلى فترات من الصعود والهبوط، لكن توجد على الأقل سوق للأسهم في تلك الشركات لديها تدفق نقدي تشغيلي ومواقع في أحواض الإنتاج الصحيحة.
لم يعد هذا هو الحال بالنسبة لشركات التعدين "الصغيرة". يقول جيفري كريستيان، الرئيس التنفيذي لمجموعة سي بي إم CPM Group، وهي شركة تقدم خدمات إحصائية واستشارية لشركات التعدين: "شركات التعدين الصغيرة انتهت. أنا أدير مجموعة سي بي إم طوال 33 عاما، وعلى مدى 32 عاما كنا نتحدث إلى أشخاص حول الاستثمار في شركات التعدين أو المعادن. الآن المستثمرون من المؤسسات والأفراد لا يستثمرون في شركات التعدين الصغيرة، لأنهم ضيعوا أموالهم فيها لفترة طويلة".
ويضيف: "بدلا من ذلك، نعمل في ثلاث قارات مع الحكومات والجمعيات الصناعية لمعرفة ما يمكن فعله حيال (نقص الاستثمارات الجديدة في المناجم). لا أحد يريد التعدين، لكنهم يريدون المنتج".
لطالما كان من السهل السخرية من شركات التعدين الصغيرة وتصويرها على أنها أدوات لمروجي فانكوفر أو سيدني الفاسدين، أو وصفها بأنها حفر في الأرض، عليها كذابون وما إلى ذلك. لكنها كانت ضرورية لحصول الناس على المعادن لصنع الدراجات الكهربائية، وآلات الكابتشينو، ومجموعات الخوادم، والمراكب الشراعية للذهاب إلى اجتماعات الأمم المتحدة. شركات التعدين الكبرى لا تجد لها أفقا جديدا، لكن تجده الشركات الصغيرة. ثم تأتي الشركات الكبرى لتشتريها وتطورها.
تلك الآلة تحطمت. وإعادة تدوير المعادن القديمة لا تؤدي المهمة لأن الاقتصاد الأخضر لديه معادن أكثر من الاقتصاد الأسود. كذلك، لا يمكننا إيقاف تطور المناطق الأكثر فقرا في العالم بحيث تتمكن من مواكبة برامج العالم الأكثر ثراء الخاصة بإزالة الكربون.
"إصلاح" تمويل التعدين يعني أسعارا أعلى. المناجم الجديدة تتطلب عددا كبيرا من العمال للحفريات، وصب الأسمنت (منخفض الكربون)، وبناء الطرق والسكك الحديدية، وبناء محطات التنقية والمصافي، ومراقبة التخلص من النفايات.
توصل بول جيت وفريقه من محللي تعدين المعادن في شركة بيرنشتاين في لندن إلى تقديرات لمستويات أسعار النحاس اللازمة لتمويل مناجم جديدة. قال: "نعتقد أن تسعير النحاس يجب أن يكون عند 8800 دولار للطن، أي زيادته 40 في المائة، لتحقيق أهداف 2030 المتفق عليها بين الحكومات لإزالة الكربون".
إذا كنت تعتقد أن الأهداف الحالية التي تم الإجماع عليها ليست كافية، فإن جيت وفريقه لديهم "سيناريو جريتا" أكثر طموحا لإزالة الكربون بالكامل بحلول عام 2025. وهذا يتطلب ما لا يقل عن 20 ألف دولار للطن لإنتاج النحاس المطلوب.
حتى الحفاظ على إنتاج النحاس بالقرب من مستوى اليوم سيكون تحديا. يقول جيت: "تواجه الصناعة معدل هبوط هائل (من الاحتياطيات الحالية المستنفدة). لقد نمت إمدادات المناجم 2.5 في المائة و3 في المائة سنويا. ولزيادة الرقم بالنسبة لصناعة بحجم تعدين النحاس، سيشكل ذلك مشكلة للمبادرة".
حسنا، ماذا لو فشلنا في عملية إزالة الكربون، وأصبحنا مجبرين على التكيف؟ مثل الأوروبيين الذين سيشترون مكيفات الهواء المنزلية (سوق نمو جديدة وكبيرة). سيتطلب ذلك كثيرا من النحاس للفائف والأسلاك وتوليد الطاقة... إلخ.
لا ينعكس أي من هذا في المنحنى الأمامي (الثابت) لأسعار النحاس. في هذه الدورة، لا تتطلب إزالة الكربون العلم والصناعة، بل تتطلب حدوث شيء خارق.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES