التطورات الأخيرة للأداء الاقتصادي والتنموي

|


أبرزت مؤشرات أداء الاقتصاد الوطني بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، تباطؤ النمو الحقيقي للاقتصاد إلى 0.5 في المائة "1.6 في المائة خلال الربع الثاني 2018"، من مستواه المتحقق خلال الربع الأول من العام الجاري عند 1.7 في المائة، متأثرا بتباطؤ النمو الحقيقي للقطاع النفطي إلى نحو 1.0 في المائة، مقارنة بنموه الأعلى خلال الربع الأول بنحو 3.1 في المائة، فيما جاءت المساهمة الأكبر للنمو من القطاع الخاص "40.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي"، بتحقيقه معدل نمو خلال الفترة نفسها بنحو 3.4 في المائة "1.9 في المائة خلال الربع الثاني 2018"، مقارنة بنموه الحقيقي خلال الربع الأول البالغ 2.3 في المائة.
وبالنظر في التغيرات الهيكلية للاقتصاد خلال الفترة سجل نشاطا "الزراعة، والخدمات" معدلي نمو سنوي بلغ 1.2 في المائة ونحو 4.2 في المائة على التوالي، مقابل انخفاض النمو الحقيقي لنشاط الصناعة بنحو 2.3 في المائة. وفي جانب آخر يتعلق بتنويع قاعدة الإنتاج المحلي؛ سجل تنويع قاعدة الإنتاج تراجعا للربع الثاني على التوالي من 12.2 في المائة إلى 11.9 في المائة بنهاية الربع الثاني "12.2 في المائة الربع الثاني 2018"، وتراجعت أيضا نسبة تنويع قاعدة الإنتاج "دون تكرير الزيت" من 8.8 في المائة إلى 8.4 في المائة للفترة نفسها "8.5 في المائة الربع الثاني 2018".
وعلى مستوى الإنفاق الاستهلاكي تحسن بصورة طفيفة النمو السنوي للإنفاق الاستهلاكي الخاص من 2.9 في المائة إلى 3.4 في المائة، إلا أنه جاء أدنى نموه السنوي خلال الربع الثاني من العام الماضي البالغ 5.4 في المائة "بلغت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي 39.1 في المائة، ونحو 58 في المائة من الناتج المحلي غير النفطي"، في المقابل انخفض النمو السنوي للإنفاق الاستهلاكي الحكومي بنحو 5.6 في المائة، مقارنة بنموه خلال الربع الأول بنحو 5.5 في المائة، وبنموه القياسي خلال الربع المماثل من العام الماضي بنحو 26.6 في المائة.
تظل الأسئلة حول: كيف تمكن القطاع الخاص من رفع معدل نموه السنوي إلى 3.4 في المائة، مقارنة بنموه قبل عام مضى بنحو 1.9 في المائة؟ ولماذا تباطأ نمو الإنفاق الاستهلاكي الخاص إلى 3.4 في المائة، مقارنة بنموه خلال الربع نفسه من العام الماضي بنحو 5.4 في المائة؟
يمكن الحديث حول السؤال الأول؛ بأن النمو السنوي المتحقق للقطاع الخاص في الأغلب، جاء نتيجة لقيام منشآت القطاع بتقليص بنود عديدة في جانب التكاليف، تحديدا بند الأجور المدفوعة إلى العمالة لديها، التي تقلصت خلال الفترة "الربع الثاني 2018 إلى الربع الثاني 2019" بنحو 0.9 مليون عامل "انخفاض 63 ألف مواطن، 0.8 مليون وافد"، عدا بقية الإجراءات الهيكلية التي قامت بها تلك المنشآت، للتكيف مع تراجع التدفقات الداخلة عليها، الذي عكسته بصورة واضحة تغيرات السؤال الثاني "الإنفاق الاستهلاكي الخاص"، فكلاهما يحوم حول الآخر، وكل متغير من المتغيرات الاقتصادية أعلاه يؤثر في الآخر، ويتأثر أيضا بالآخر.
القطاع الخاص في مقابل التحديات والمتغيرات العكسية أمامه، لجأ للتكيف معها إلى الجانب الممكن التحكم فيه، ممثلا في جانب التكاليف بالعمل على خفضه، سواء عبر خفض حجم العمالة لديه، أو عبر إغلاق بعض منافذ البيع والتوزيع والتخزين المستأجرة، التي مكنته من رفعه معدل الربحية أو المحافظة عليه على أقل تقدير، ولم يظهر حتى تاريخه أن تلك التحديات أمامه قد حدت من نشاطها، وفي الوقت ذاته بدأ يتصاعد عديد من فرص تعزيز القطاع للتدفقات الداخلة، المتزامنة مع جني ثمار الإصلاحات الراهنة للاقتصاد الوطني، عكستها مؤشرات ارتفاع معدلات نمو السيولة المحلية بنسبة 3.6 في المائة بنهاية الربع الثاني من العام الجاري "- 0.8 في المائة الربع الثاني 2018"، ونمو الائتمان الممنوح للقطاع الخاص بنحو 2.6 في المائة للربع نفسه "0.6 في المائة الربع الثاني 2018".
وتأتي إجابة السؤال الثاني المتعلق باتجاه الإنفاق الاستهلاكي الخاص، كأحد التحديات المتوقع استمرارها أمام القطاع الخاص، الذي عكس تباطؤ نموه السنوي إلى 3.4 في المائة، مقارنة بنموه خلال الربع نفسه من العام الماضي البالغ 5.4 في المائة، حيث جاء في الأغلب لسببين: الأول؛ المتعلق بانخفاض أعداد العمالة الوطنية والوافدة على حد سواء "0.8 مليون عامل"، الذي قلص بدوره من حجم الإنفاق الاستهلاكي ويتوقع استمرار ذلك بحدة أقل خلال العام الجاري، إذا ما استمر القطاع الخاص في اتباع منهجيته الأخيرة بالاعتماد على خفض تكاليفه التشغيلية، في حين قد يتحول الأمر إيجابيا إذا ما عاد إلى زيادة توظيف العمالة الوطنية لديه، وتعيينها في وظائف عالية الدخل وملائمة لها، ما سيسهم بدوره في إعادة وتيرة النمو اللازم للإنفاق الاستهلاكي الخاص.
الثاني؛ المرتبط بانخفاض الدخل المتاح للإنفاق للشرائح العاملة من مجتمع المواطنين، نتيجة ارتباطهم بعقود اقتراض مصرفية عقارية طويلة الأجل "15 إلى 20 عاما"، إضافة إلى القروض الاستهلاكية وبطاقات الائتمان التي وصل مجموعها حتى منتصف العام الجاري إلى نحو 520 مليار ريال "34.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي"، تتجاوز نسب استقطاع سدادها نسبة 50 في المائة أو أعلى من الدخل الشهري للمقترض، وهو ما سبق الحديث عنه في مقالات عديدة سابقة، وأنه مع الزيادة المطردة في أعداد المقترضين عقاريا خلال الأعوام القليلة المقبلة "وصل إجمالي عددهم حتى منتصف العام الجاري إلى نحو 3.6 مليون فرد"، وفق الطريقة الراهنة للسداد، فإن هذا البند المهم من الاقتصاد سيواجه مزيدا من الضغوط بكل تأكيد، ما يقتضي بدوره تغييرا في تلك الطريقة والعمل على خفض نسب الاستقطاع الدورية، خاصة أن الآثار ظهرت في وقت مبكر من بداية التجربة، وما يؤكد أنها ستأتي أقوى في المستقبل في حال استمرت على وضعها الراهن، سيتسمر الحديث عنه تكرارا والتركيز على آثاره المحتملة مستقبلا، والحلول والبدائل المتاحة للتعامل مع تحدياته التنموية بمشيئة الله. والله ولي التوفيق.

إنشرها