«هذا حظي»

|

قبل سنوات؛ كان لي صديق لا ينفك عن ترديد عبارة "هذا حظي"، تعبيرا عن التألم والشكوى والتظلم، في كل مرة ألتقيه يتمحور الحديث حول ظروفه، وتعبيره عن حظه العاثر في الحياة، مقارنة بأقرانه وأترابه.
أصبحنا نحن معشر أصدقائه نعرف متى سيغرز هذه الجملة في سياق حديثه، من فرط تكراره لها، فما أن يلفظها إلا ونحن نرددها معه كـ"كورال"، مجسدين تناغما فريدا لا تحققه أكثر الفرق الموسيقية تمرسا وبراعة، نظرا إلى غزارة استخدامه لها.
صاحب "هذا حظي" لمن لا يعرفه، يعتقد أنه مصاب بأمراض عدة، وأنه محاصر بالديون، وعاطل عن العمل، وبلا أصدقاء. لكنه في الحقيقة خلاف ذلك تماما، فهو شاب ينعم بصحة جيدة، وموظف في شركة كبرى براتب عال، ومتزوج، ولديه أطفال ويمتلك منزلا أنيقا.
يتحدث عن سوء الحظ، بينما قد يكون هو أوفرنا حظا.
يخبرني عمي دائما عن زميل عمل معه، كان لديه طفلان مريضان، لكنه لا يذكر أنه شاهده قط من دون ابتسامة طوال 14 عاما عملا فيها معا، لا يحتفظ عمي في ذاكرته بموقف ما، تحدث فيه هذا الرجل بتذمر أو استياء عن ظروفه. كان الرجل يردد - باستمرار - دعاءه الذي لم يجف منه لسانه؛ "الحمد لله على نعمه التي لا تحصى"، في حين إن زملاءه الأقل تحديات وظروفا، يحشون ساعات الدوام بالشكوى والانزعاج والعتب.
علمتني الحياة أن أكثر الناس شكاية ونحيبا وتذمرا هم أحسننا ظروفا.
من يعاني شظف العيش ويرزح تحت وطأة الألم والمعاناة هو أشدنا بأسا وأقلنا احتجاجا، فهو منهمك في تدبير ظروفه وترتيب أوجاعه. السخط والاستياء واللوم ترف لا يجيده أولئك الكادحون.
يا صديقي؛ ما دمت تقرأني الآن وأنت في خير فأنت في خير، أنت محظوظ. وتكريسك جملة "إنك صاحب حظ سيئ"، سيجعل هذه الجملة تغمرك وتقودك وترسخ في داخلك، وتصبح جزءا منك، ترتبط باسمك ومعنوياتك، تحبطك وتطرد السعادة من جوفك وتطاردك.
الحظ الجيد تصنعه بيدك ولسانك وقلبك، ولا يهبط عليك من السماء.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها