أثر توجه الاقتصاد الأمريكي لخفض معدل الفائدة

|

ما إن انتعش الاقتصاد في الولايات المتحدة وبدأت رحلة رفع الفائدة الأمريكية التي أدت إلى قوة في قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى العالمية التي شهدت انخفاضا ملحوظا خصوصا اليورو والجنيه الاسترليني، حيث تعاني أوروبا حاليا حالة البطء التي تنتاب الاقتصاد ولم يستطع أن ينفك عنها منذ أكثر من عقد من الزمان خصوصا بعد أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" وتبعاتها التي انعكست على الاقتصاد في المنطقة الأوروبية، حيث أصبحت القارة العجوز أمام تحد كبير في مواجهة المد الصيني من الشرق والتحسن في الاقتصاد الأمريكي خلال الفترة الماضية، لتزيد بريطانيا هذه الأزمة بالانفكاك مبكرا من هذا الاتحاد للبحث عن خيارات أكثر تفاؤلا مقارنة بحال الاتحاد الأوروبي.
هذه المتغيرات كبحت جماح وطموح الاحتياطي الفيدرالي للاستمرار في رفع الفائدة وبدأ يعيد النظر في العودة إلى الوراء لخفض الفائدة الذي يتوقع أن يستمر خلال الفترة المقبلة خصوصا مع التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي من جراء أزمة التجارة بين الولايات المتحدة والصين التي أصبحت حاليا لديها طموح كبير أن قطبا منافسا للاقتصاد الأمريكي وبعد فترة متجاوزا له خصوصا مع النمو المستمر للاقتصاد الصيني وزيادة الثقة به عالميا وسعيه الحثيث للمنافسة في مجالات الصناعة المتقدمة، كل هذه العناصر جعلت الاقتصاد الأمريكي أمام خيارات محدودة للحد من طموح الصين الذي أصبح بعض الشركات الأمريكية متعاطفة معه نظرا للفائدة الكبيرة التي تجنيها من الاستثمار في الصين.
للخروج مبكرا من خطورة الدخول في حالة ركود للاقتصاد الأمريكي بدأ العمل على مجموعة من الإجراءات من ضمنها خفض أسعار الفائدة الذي يرى البعض أنه يمكن أن يصل إلى المستوى السابق القريب من نسبة الصفر، وهذا أمر متوقع، حيث إن بقاء معدل الفائدة مرتفعا سيزيد قوة الدولار أمام العملات الأخرى ما يدفع إلى الزيادة في قيمة الصادرات الأمريكية مقارنة بصادرات الدول التي انخفضت أسعار عملاتها أخيرا خصوصا في أوروبا، كما أن الصين ودول آسيا ما زالت تعد تحديا كبيرا للصناعات الأمريكية خصوصا تحول كثير من الشركات الأمريكية إلى الصين لعدم قدرتها على المنافسة إذا بقيت مصانعها في الولايات المتحدة وأوروبا.
خفض معدل الفائدة في الولايات المتحدة يتبعه خفض بنسب متساوية في معظم دول الخليج خصوصا السعودية والإمارات اللتين يرتبط تسعير عملتيهما بالدولار ولذلك فإن هذا الخفض والانخفاض المتوقع في قيمة الدولار مستقبلا سيكون له أثر إيجابي في قطاع الصناعة المحلية وزيادة تنافسيته خصوصا الصادرات، مع العلم أن التحسن بدأ يظهر على الاقتصاد المحلي بمعدل النمو للقطاع غير النفطي بمعدل أعلى بصورة واضحة مقارنة بالقطاع النفطي كما أن الدعم الحكومي للقطاع الصناعي بالإعفاء من الرسوم الخاصة بإقامة القوى العاملة الأجنبية سيظهر أثره في القطاع في المستقبل القريب، في المقابل فإن القطاع المصرفي قد يتأثر سلبا بسبب خفض معدل الفائدة لانخفاض عوائد التمويل الذي يقدمه للقطاعات المختلفة، كما يمكن ملاحظة أن تكلفة أدوات الدين الحكومية يمكن أن تنخفض عوائدها بسبب الانخفاض في معدل الفائدة الذي سيؤثر في تكلفة الاستدانة بين المصارف السعودية السايبور، وفي هذه الحالة تميل الأسواق إلى خفض الاستثمارات في أدوات الدين واستبدال ذلك بالقطاعات الأخرى التي يمكن أن تحقق عوائد معقولة مثل القطاع الصناعي، ويمكن أن تتحسن مع ذلك أسعار المواد الأولية والقطاع الصناعي بصورة عامة وتزيد عوائده بسبب الانخفاض في قيمة العملة وزيادة تنافسية هذه الصناعات في السوق عالميا، إضافة إلى الانخفاض في تكلفة الديون وقدرة الشركات على الحصول على تمويل بتكلفة أقل، ونظرا للاهتمام الحكومي الكبير بقطاع السياحة والفرص الواعدة فيه يمكن لانخفاض العملة نسبيا أن يزيد جاذبية السياحية والمؤمل أن يكون لذلك دور في تحسن جيد ونمو في الاقتصاد المحلي بصورة عامة.
الخلاصة: إن الولايات المتحدة ونظرا للتحولات في الأسواق العالمية والإجراءات التي تسعى من خلالها إلى كبح جماح الاقتصاد الصيني في تشكيل قطب مواز ومنافس في الطرف الآخر للعالم للاقتصاد الأمريكي، يسعى الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض معدل الفائدة، وهذا الانخفاض يمكن أن يؤثر في المصارف محليا لكن يمكن أن يحسن من ظروف الاقتصاد خصوصا في القطاع الصناعي والمنتجات سواء من المشتقات النفطية أو غير النفطية، ومع الاهتمام الحكومي بالسياحة يمكن أن تزيد جاذبية هذا القطاع.

إنشرها