معالجة الانكشاف الاقتصادي في دول الخليج

|

لا يمكن لأي بلد أن يستغني عن الاقتصادات الأخرى مهما بلغت قدراته الاقتصادية بما في ذلك اقتصاد الولايات المتحدة الذي يعد الأقوى عالميا؛ إلا أن التوازن بين قدرات الاقتصاد الداخلية وحجم التجارة الخارجية يظل المعيار الأهم في تحديد درجة الانكشاف الاقتصادي على أي بلد آخر، ولعل ما نراه من حروب تجارية بين واشنطن وبكين؛ يرجع إلى وجود انكشاف اقتصادي لمصلحة الصين؛ جعل الأولى تتخذ إجراءات حمائية قاسية عبر فرض رسوم جمركية على المنتجات الصينية وبتلك الإجراءات كسرت أمريكا قواعد التجارة الحرة التي بشرت بها سابقا وفي الوقت نفسه سعت الصين إلى التخلص من التبعية الأمريكية عبر زيادة قدراتها الداخلية على جميع المستويات بما في ذلك التبعية التقنية وهو ما لا تريده واشنطن حاليا.
أما على مستوى المنطقة، فتعاني دول الخليج نزعة استيرادية عالية على مستوى السلع مع اعتمادها الكبير على المغتربين للوفاء بالخدمات والأعمال المهنية على نطاق واسع، لذا ظهر لدينا انكشاف اقتصادي ومهني حتى أصبحت تلك الأمور من خصائص الاقتصاد الخليجي وتحولت تلك التحديات من مشكلات إلى متلازمة اقتصادية خليجية، حتى اليوم لم تنجح أي دولة خليجية في علاج تلك الحالة، ومع الأسف تأثرت إنتاجية وتنافسية المواطن الخليجي؛ كما أنها أدت إلى ضعف منفعة الكتلة النقدية الوطنية بسبب حوالات المغتربين وضعف قدرات الشركات المحلية وفقدت قدرتها على توليد نقد أجنبي من الخارج؛ وأصبحت معظم الشركات الوطنية معتمدة على الإنفاق الحكومي، باستثناء شركات النفط والبتروكيماويات وبعض الشركات الخاصة إلا أن الوزن النسبي لتلك الشركات الخاصة لا يكاد يذكر، وبذلك أصبح نمو الشركات وتحسن مؤشرات النمو الاقتصادي في دول الخليج معتمدين على حالة أسواق النفط ومعدل إنفاق حكومات الخليج على مواطنيها.
إن ما يؤكد خطورة ما سبق أن دول الخليج طبقت مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية لتفادي أي اختلال قد يطرأ على إيراداتها الحكومية؛ وحماية مواطنيها من أي آثار قد تصل إليهم عن طريق تحسين كفاءة وفاعلية الإنفاق الحكومي وإدارة الهدر وفرض ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات وترقية الأسواق المالية وتهيئة المناخ الاستثماري الملائم ورغم ذلك لا تزال النتائج محدودة.
إن العلاج الناجع لمشكلات ومتلازمات الخليج الاقتصادية، يأتي من خلال خفض شدة درجة الانكشاف الاقتصادي والتبعية المهنية للخارج عبر تطبيق مفهوم المحتوى المحلي بشكل فعال، ووضع خطط ومؤشرات لمراقبة مستويات الانكشاف والتبعية ولا سيما أن التبعية تعد درجة أعلى من الانكشاف، كما أن هناك أهمية قصوى لدعم برامج المحتوى المحلي ماليا وبشريا ومنح الجهة المشرفة على المحتوى المحلي مزيدا من الصلاحيات للقيام بدورها الاقتصادي والتنظيمي ولا سيما أن مفهوم المحتوى المحلي غير مستخدم بالدرجة الكافية لدى صناع السياسات الاقتصادية في دول الخليج.

إنشرها