FINANCIAL TIMES

«شل» تستلهم تجربة شركة حلوى استعدادا لعصر ما بعد النفط

في أيار (مايو) 2017، جمع بن فان بوردين الرئيس التنفيذي لشركة رويال داتش شل، عددا من كبار المسؤولين التنفيذيين في مزرعة في فاسينار هي إحدى ضواحي لاهاي.
الأعوام الثلاثة السابقة كانت قد طرحت عديدا من الأمور للتحدث عنها.
في المقدمة كانت حقيقة انهيار أسعار النفط. كانت شل قد شرعت في عملية استحواذ معقدة بقيمة 53 مليار دولار على شركة بي جي جروب BG Group العملاقة للغاز الطبيعي، وتمت مداهمة مكاتب الشركة بسبب صفقة نيجيرية مثيرة للجدل.
ومع ذلك، فإن جدول الأعمال قطع ما هو أعمق بكثير من الماضي القريب، وما قد تحمله الأعوام القليلة المقبلة.
وبدلا من ذلك، تم تكليف المديرين التنفيذيين بمهمة تحديد ما ينبغي أن تبدو عليه شركة شل، إحدى أكبر شركات النفط والغاز في العالم بعد عدة عقود في المستقبل.
كان كبار قادة شل يعتركون مع معضلة تعانيها في ذلك الحين كل شركات النفط والغاز الرئيسة.

قضية الصناعة وليس "شل"

كيف ينبغي على الشركة التي تحقق معظم أرباحها من خلال تلبية الطلب العالمي القوي على النفط والغاز أن تتدبر طريقها في المستقبل، مع تحول التيار السياسي بشكل متزايد ضد الوقود الأحفوري.
وقال مخضرم في شركة شل البالغ من العمر 61 عاما: "قلنا، دعونا الآن نبدأ في التفكير في المستقبل بعيد المدى، لكن بطريقة أكثر جدوى. ما الشيء الذي نريد أن نشتهر به؟"
اللغز الذي يواجه شركة شل -أكبر شركة دافعة لأرباح الأسهم في العالم- يأتي تماما في الوقت الذي يخضع فيه الاعتقاد السائد، بأنه يجب على الشركات أن تضع مفهوم تحقيق أكبر قدر من الأرباح قبل كل شيء، لفحص متجدد.
قدمت قمة المناخ هذا الأسبوع في نيويورك تذكرة بأن التحدي المتمثل في مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري، هو حافز قوي في إثارة النقاش حول ما إذا كان ينبغي أن يكون للشركات غرض أوسع.
المسؤولون التنفيذيون الذين تجمعوا خارج لاهاي، ناقشوا ما تعنيه اتفاقية باريس المناخية لشركة شل، وكيفية إدارة أعمال الاستكشاف والإنتاج في مواجهة مطالب الحد من الإنتاج، وما إذا كان يتعين على الشركة تحمل مسؤولية الانبعاثات من العملاء.


استراتيجية المشي على قدمين

ساعد ذلك اللقاء على صياغة استراتيجية شهدت شركة شل تتبنى الطاقات منخفضة الكربون، مع الاستمرار في التركيز على قطاع النفط والغاز، الذي لا يزال محرك الأرباح.
يرتبط ثلثا التدفق النقدي الحر لشركة شل بأعمالها النفطية.
يأمل فان بيردن أن يتم تقسيم هذا الأمر بالتساوي بين النفط والغاز والطاقة النظيفة، لكنه لم يحدد جدولا زمنيا.
وكما يوضح التنفيذي الهولندي: "يتعين علينا إيجاد طريقة للحفاظ على هذه القدرة على توزيع الأرباح، وفي الوقت نفسه زيادة قيمة الشركة، وفي الوقت نفسه تغيير تركيبة الشركة".
في الممارسة العملية التي شهدت فيها شركة شل السعي وراء البراميل ذات الهوامش الأعلى والأقل كثافة للكربون، وإعطاء الأولوية لأعمالها في مجال الغاز (الذي هو أنظف من النفط الخام، لكنه يظل وقودا أحفوريا)، والتركيز على المواد الكيميائية (المصنوعة دون احتراق النفط) وتشارك في طموحاتها، لتكون أكبر لاعب قوة في العالم مع تزايد الطلب على الكهرباء النظيفة.
كما طورت مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وشجعت على اعتماد الطاقة الهيدروجينية الكهربائية، واستثمرت في الشركات الناشئة منخفضة الكربون التي تمتد إلى شحن السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة المنزلية.

استلهام شركة حلويات

بإلهام من شركة مارس العملاقة للحلويات، تعهدت شركة شل بخفض كثافة انبعاثات منتجاتها إلى النصف بحلول عام 2050، وستربط أهدافها قصيرة الأجل بمكافآت المديرين التنفيذيين.
على الرغم من هذه التغييرات الطفيفة، إلا أن أعمال شركة شل في مجال النفط والغاز ستمثل الجزء الأكبر من استثماراتها في رأس المال، وتدر معظم أرباحها لأعوام مقبلة.
الاستراتيجية والمقايضات التي تنطوي عليها لم ترض الجميع.
قال آدم ماثيوز من مجلس المعاشات التقاعدية لكنيسة إنجلترا، الذي ضغط على شل لوضع أهداف بشأن الانبعاثات، وتعهد بمزيد من الاستثمار في التكنولوجيات منخفضة الكربون: "لا يزال هناك اختلال كبير بين استثمارات شل في الطاقات الجديدة وأعمالها التقليدية في مجال النفط والغاز".
يقول بعض المنافسين إن رسائل شل هي ببساطة دلالة على الارتباك داخل الشركة.
ويسأل أحد المديرين التنفيذيين: "هل يريدون أن يكونوا منتجين للنفط والغاز أم لا؟" الحكم الصادر عن الناشطين في مجال البيئة هو أن أعمالها المتعلقة بتغير المناخ، هي للتمويه لتحسين صورتها لدى الناس المنتمين إلى التيار الأخضر، إلا أنها تفشل في إحداث تغيير حقيقي.

فشل "بيوند بتروليوم"

بيرج بوركاتاريا، المحلل في آر بي سي كابيتال ماركتس RBC Capital Markets، له وجهة نظر مختلفة. يقول: "يبدو أن شل تتخذ قرارات أكثر جرأة من أقرانها"، مشيرا إلى تجربة "بيوند بتروليوم" (ما وراء النفط) الفاشلة لشركة بريتيش بتروليوم في العقد الأول من القرن الحالي، كسبب لحذرها في الانطلاق على المسار نفسه.
"تعليقات شركة شل حول الرغبة في أن تكون على ’الجانب السليم من التاريخ‘ أصبحت أقرب إلى إقناعي بأنها يمكن أن تكون ناجحة".
ومع ذلك، فإن فان بيردن يشعر بالقلق من إساءة تقدير مدى سرعة تحول الأرض تحت هذه الصناعة. لا يزال الطلب على النفط قويا، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة في آسيا وإفريقيا.
كما يوضح: "كيف تتخذ خيارات لا تندم جديا عليها إذا كان العالم يعمل بشكل مختلف عما تفكر به حاليا؟".
الذين يدفعون شركة شل للتخلي عن الوقود الأحفوري، يجادلون بخطر أن تعْلق بأصول غير اقتصادية أو الفشل في الاستعداد لانهيار أسعار النفط أو تحملهم مسؤولية قانونية، عن الأضرار المادية للممتلكات والخطوط الساحلية، على اعتبار أن درجات الحرارة وارتفاع منسوب سطح البحر سيكونان على قمة أي قائمة ندم محتملة.
الأسف الوحيد الأكبر لرئيس شركة شل هو التخلي عن نشاطها في مجال النفط والغاز قبل الأوان.
وهذا، كما يقول بشكل صارخ، شيء: "لا تستطيع شركة شل التعايش معه".

في مواجهة مطالب متضاربة

يتلخص هذا الحكم في المقايضات التي تواجه الشركة حيث تواجه مطالب متضاربة في كثير من الأحيان من جانب عدد متزايد من أصحاب المصالح.
يحتفظ النفط بخناقه على قطاع النقل. تتوقع وكالة وود ماكينزي الاستشارية أن الفحم والنفط والغاز سيستمران في المساهمة بنحو 85 في المائة من إمدادات الطاقة الأولية العالمية بحلول عام 2040.
وفي الواقع، في ضوء ذلك، يقول فان بوردن إن هناك "شرعية" للاستثمار في النفط والغاز.
هناك حاجة أيضا إلى أرباح شركات شل العاملة في مجال الهيدروكربونات لتمويل الاستثمار في الطاقات منخفضة الكربون.
ومع ذلك، إلى أن تتمكن شركة شل من تحقيق عوائد من الشركات الأنظف بما يتناسب مع عمليات النفط والغاز، فإن ضخ الأموال دون أي قيود ليس خيارا أيضا.
يقول فان بيردن: "يمكننا أن نتحمل خسائر بقيمة مليار دولار أو مليار دولاري، إذا أخطأنا في بعض الخيارات التجارية الرئيسة، لكن لا يمكننا القيام بذلك كل عام". بعد أن طنطنت شركة شل عن جهودها الكبيرة نحو الغاز والطاقة المنخفضة الكربون في آذار (مارس) الماضي، بحلول حزيران (يونيو) الماضي، كانت الشركة قد أكدت في إحدى المناسبات الرسمية للكشف عن الاستراتيجية، أنها لن تحول النقدية إلى أعمال الكهرباء مهما كانت الأسباب. كان عليها توليد هوامش بنسبة 8-12 في المائة.
ومع ذلك، يدرك رئيس شل أيضا أن هناك حدودا لما يمكن للشركة التحكم فيه. على سبيل المثال، سيكون للتغيرات في السياسة والرأي العام، حول التهديد الذي يمثله تغير المناخ، تأثير في جاذبية شل في أعين المساهمين.

معضلة صناعة الطاقة

يقول فان بيردن عن المعضلة التي تواجه النفط وشركات الغاز، خاصة في أوروبا: "الأشياء التي قمنا بها منذ عشرة أعوام، وظن الجميع أنها كانت مناسبة وصحيحة وأخلاقية تماما، ربما تحولت الآن ضمن مجموعة القيم الحالية، وسيقول الناس: ’كيف هان عليكم أن تفعلوا ذلك‘؟"
هذا هو السبب في أن شركة شل لا تصر على التنقيب عن النفط وإنتاجه، على الرغم من الضغط من جانب بعض التنفيذيين داخل المجموعة للقيام بذلك.
سيكون من الخطأ أيضا اعتبار قاعدة المساهمين في المجموعة إما متجانسة أو ثابتة. قد تتخلى الجماعات الدينية والجامعات والمستثمرين الأكثر وعيا بالمجتمع عن مقتنياتهم في مرحلة معينة.
باعت شركة سارسين آند بارتنرزSarasin & Partners لإدارة الأصول في بريطانيا، حتى الآن أكثر من 20 في المائة من حصتها في شركة شل، وأخذت الباقي قيد المراجعة. معظمها لا يزال يعطي الأولوية لتوزيعات الأرباح.

رئيس "شل" في مواجهة ابنته

يقول فان بوردين" "ترتيب الملاك سيتغير. كيف سيتغير ذلك، ومدى سرعته، وإلى أي مدى سيذهب، لا أعرف. سيكون هناك دائما مالكون لشركتنا".
تتمثل إحدى طرق ضمان مكانة شل في ترتيب اختيار شركات الطاقة العالمية، في الحفاظ على حصص المساهمين. وكما قال "إذا كنت قادرا على إعادة 25 مليار دولار إلى مالكي الشركة كل عام ... فإنك لن تختفي".
فان بيردن لا ينجو من الانتقاد في الداخل أيضا. عندما كانت ابنته في التاسعة أو العاشرة من عمرها، عادت من المدرسة وهي تبكي لأن أحدهم أخبرها أن شركات النفط والغاز تدمر العالم، وأن منظمة السلام الأخضر وحدها هي التي تستطيع إنقاذ الكوكب.
قالت البنت لأبيها: "إذن لماذا لا نعطي كل أموالنا لمنظمة السلام الأخضر، يا بابا؟".
وحيث إنها كانت صغيرة جدا ولا قدرة لها على الدخول في نقاش حول ضرائب الكربون، ومسؤولية جميع الحكومات والمستهلكين وملوثي الشركات، أجاب رئيس شل: "عليك أن تثقي بي" فحسب.
في المقابل، سيكون كسب ثقة جميع أصحاب المصلحة المتنافسين في شركة شل الآن ولاحقا، أكثر صعوبة بكثير من ذلك الموقف الطريف، مع ابنته.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES