FINANCIAL TIMES

اندفاع الأسواق إلى حدودها التاريخية يجعل عودتها مؤلمة

تعلمت شركات إدارة الصناديق منذ فترة طويلة التعايش مع اتهامها بأنها تعمل وفق نظرة قصير الأجل. مع ذلك، في الدورة الحالية، يمكن اتهامها بصورة متساوية بأنها تحلت بدرجة كبيرة من الصبر في إدارة أموال مستفيديها. سبب هذا التأكيد المعاكس هو انتشار النظرة بعيدة المدى في السوق بالنسبة لعمليات الاكتتاب العام الأولي.
في 2018 حقق ما لا يقل عن 81 في المائة من الشركات التي شرعت في عمليات الاكتتاب العام في الولايات المتحدة أرباحا سلبية، بحسب بيانات جمعها جاي ريتر من جامعة فلوريدا. يعد هذا أعلى مستوى منذ عام 2000 عندما انفجرت فقاعة التكنولوجيا العظيمة. استمر الاتجاه في عام 2019 مع دخول أمثال شركة استدعاء سيارات الأجرة الرائدة "أوبر" إلى السوق على خلفية خسائر بمليارات الدولارات.
بالعودة إلى عام 2000، كان 68 في المائة من جميع الاكتتابات العامة الأولية الأمريكية عبارة عن أسهم خاصة بشركات التكنولوجيا، بينما في عام 2018 كانت الأسهم الخاصة بشركات التكنولوجيا تشكل 29 في المائة فقط من الاكتتابات العامة الأولية. في كلتا الحالتين كان تحمل المستثمرين للشركات التي تحقق خسائر يعتمد على أمل وجود كمية من الأرباح غير المتوقعة في هذا المسار الطويل للغاية. تدر أكثر هذه الشركات اليوم إيرادات أكبر مما كانت عليه في عام 2000، وهو أمر صحي. مع ذلك، يعد تحمل الخسارة ظاهرة أوسع تمتد إلى ما وراء السوق الأولية. آدم بيرجر، خبير استراتيجي في "ولنجتون مانجمنت"، لاحظ أن نحو ربع جميع الأسهم الأمريكية ذات رأس المال المنخفض حققت أرباحا سلبية في نهاية العام الماضي.
ما يبدو واضحا أن كثيرا من هذه الشركات غير الرابحة لديها نماذج أعمال قائمة على نظرية "الأحمق الأكبر". فهي تأمل أن يتم شراؤها قبل أن يصبح من الواضح أن تطلعاتها الخيالية لا يمكن تحقيقها. ومع أن بعض المستثمرين تبنوا الرؤية طويلة الأجل، إلا أن آخرين قد يتورطون في نظرية الأحمق الأكبر.
عندما يأخذ الاستثمار طابع المضاربة، فإنه غالبا ما يكون دلالة على وجود فقاعة. لكن مع أن تقييمات الأسهم عالية نسبيا، إلا أننا لا نرى نوع الهستيريا الجنونية في الأسهم التي ميزت الذروة في عامي 1999 و2000. كذلك الضخ والإغراق أقل حدة.
مع ذلك، هناك أسواق أخرى تعاني حماقة يناسبها بالفعل وصف الفقاعة. عملة البتكوين مثال واضح جدا. فهي تتنكر في صورة أموال، على الرغم من أنها لا تفي بأي معيار من المعايير الرئيسية كي ينطبق عليها ذلك الوصف ولا تولد أي دخل. بالتالي هي مضاربة بحتة. من خلال السعي بوعي، أو بلا وعي، إلى الأحمق الأكبر اكتشف كثير من المستثمرين المخاطر الكامنة في شراء شيء متقلب شبيه بالسراب، خال من الدعم الأساسي.
يوجد مجال أكبر بكثير تعمل فيه نظرية الأحمق الأكبر هو سوق السندات، حيث يجمع المقترضون السياديون والشركات الأموال بأسعار فائدة سلبية. يشتري بعض المستثمرين مثل سندات الدين هذه لأسباب تنظيمية، وآخرون لأنهم حريصون جدا على الحصول على حماية الأصول الآمنة لدرجة أنهم على استعداد للتخلي عن الدخل وتكبد خسارة رأس المال. لكن لا يزال هناك كثيرون ممن يشترون على افتراض أن البنوك المركزية ستلعب دور الأحمق الأكبر من خلال برامجها المتعلقة بشراء الأصول، وبالتالي توفير مخرج مربح من استثمار غير جذاب للغاية.
هذا تماما عكس البحث عن العائدات، إذ يشعر المستثمرون المتعطشون للدخل أنهم مجبرون على تحمل مزيد من المخاطر في بيئة تتسم بانخفاض أسعار الفائدة بشكل استثنائي. إنها استراتيجية قصيرة المدى تنطوي على مخاطرة تستلزم عدم نجاح البنوك المركزية في مسعاها. بالنظر إلى الإجماع المتزايد على أن السياسة النقدية تحملت كثيرا من عبء دفع الاقتصاد العالمي، إضافة إلى تزايد المطالب المتعلقة بالنشاط المالي، فإن المخاطر ليست مهمة.
من الجدير بالملاحظة كذلك أن السياسة المالية التوسعية تحمل جزءا من مفتاح الهروب من أسعار الفائدة المنخفضة، أو السلبية بشكل غير طبيعي، السائدة في فقاعة سوق السندات هذه. قد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تعود السوق والبنوك المركزية إلى مستويات الفائدة القريبة من المتوسط التاريخي. لكن يمكن لأي تحرك متواضع للغاية في ذلك الاتجاه الإضرار بمحافظ السندات.
الجانب المشرق هو أن ارتفاع أسعار الفائدة يعني أن عامل الخصم المطبق على التزامات صناديق المعاشات التقاعدية سيساعد على تقليصها. مع ذلك، عندما تكون أسواق السندات الحكومية في حالة غير سوية، مثلما هي عليه الآن، فإن خطر حدوث مشكلة نظامية لأن عواقب تدابير البنوك المركزية غير التقليدية لم تتفكك، يكون حقيقيا. عندما تكون الأسواق مدفوعة إلى أقصى الحدود التاريخية، فإن طريق العودة يكون مؤلما دائما.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES