تغريدة «الشر»

|

دخل التدوين المصغر المتمثل في "تويتر" حياتنا وأخذ يؤثر فينا أحيانا من حيث لا ندري، 140 كلمة هي الحد الأقصى للتغريدة، لكن من قال إن مفعول النص بطوله أو قصره؟
الكلام، إن كان مجرد كلمة مكتوبة أو لفظة، يشق طريقه إلى دواخلنا كالسكين في قطعة الجبن. قد يجرحنا ويحدث فينا شرخا عميقا لأننا منه نستدل على الموقف ومن خلاله نستشف ما يرمي إليه أو ما يخبئه ناطقه أو كاتبه.
وصار للكلام ضمن التدوين الصغير موقع مؤثر، ليس كل الكلام، لقد مكنتنا الثورة الخوارزمية من أن نكتب وننطق في الثانية الواحدة ما ليس بمقدورنا حسابه.
في كل ثانية هناك أكثر من ستة آلاف تغريدة جديدة في "تويتر"، وبحساب بسيط يستقبل هذا الموقع للتدوين المصغر أكثر من 350 ألف تغريدة في الدقيقة، وأكثر من 500 مليون تغريدة في النهار وأكثر من 200 مليار تغريدة في السنة.
أغلب هذا الكلام يذهب جفاء. قليل منه ينفع الناس، وقليل منه يضر الناس. هذا القليل الذي يضر الناس صار مثل الوباء الذي يفتك بهم.
صدى الكلام اليوم لا تحده الحواجز الطبيعية. الأثير يحمله من زاوية إلى أخرى ويدور به الكرة الأرضية. ولأنه يؤثر كثيرا وبالخصوص إن أتى من صاحب سلطة، أخذنا نحسب له ألف حساب.
في آخر تواصل لي مع وكالة "رويترز" التي عملت فيها نحو عقد من الزمان، قال لي أحد المسؤولين إنه في السابق كان المراسلون يجرون وراء الكلام ومصدره في نقلهم للأحداث. اليوم، حسب المسؤول، قل الجري وراء الكلام لأن الكلام يهطل عليهم مثل المطر وهم قابعون على كراسيهم في قاعات التحرير.
متابعة التغريدات التي يسطرها من لهم شأن في السياسة والاقتصاد ومن ثم نقلها وتحويلها إلى أخبار صارت من أساسيات المهنة، وجزءا من التدريب المهني والتدريس الأكاديمي في كليات ومعاهد الصحافة.
وقد لا نغالي إن قلنا إن التشبث بالتغريد لكثير من الناس وأصحاب الشأن في صفوفهم وصل إلى درجة الإدمان. وهذا الجريان وراء التغريد منحنا لأول مرة في التاريخ فرصة التواصل لحظة بلحظة مع الناس والمسؤولين قراءة ليس فقط كلامهم بل وجوههم وما تكتنزه قلوبهم من خير أو شر.
عندما نقرأ تغريدة تطلب من بعض أعضاء في مجلس النواب الأمريكي من الأصول الأجنبية العودة إلى البلدان التي قدموا منها، نخشى كلنا الذين قدمنا إلى بلدان ليست بلداننا الأصلية على مستقبلنا.
وتغريدات مثل هذه تثير الخشية والخوف من المستقبل، لأنها صارت جزءا من أطر خطابية "تويترية" تعبر عن مكنونات النفس وما يدور في أعماق تيارات محددة لكنها مؤثرة من مواقف لن تتورع عن تحويلها إلى ممارسات وإجراءات حال أن تسنح لها الفرصة.
وتدور نقاشات حامية في مؤسسات إعلامية مؤثرة في الغرب حول المدى الذي نربط فيه صاحب التغريدة وسلوكه بالكلام الذي يغرد به.
لو غرد امرؤ كلاما فيه مسحة ظاهرة من العنصرية والكراهية؛ في هذه الحالة، السؤال الذي يقض مضاجع هذه المؤسسات يدور حول من هو العنصري: التغريدة أم صاحب التغريدة؟
هناك تباين في المواقف ليس حول كون أن التغريدة ذات نفس عنصري، لأن هذا ما يقوله الكلام، بل حول إن كان يحق لنا أن نطلق لفظة "عنصري" على صاحب التغريدة.
لقد بت الفلاسفة والمفكرون في مسائل مثل هذه. الفيلسوفة حنا أرنت التي فسرت لنا الشر وكيف ينمو فينا وكيف تستغله المؤسسات وأصحاب السلطة لتحقيق أغراضهم، تقول إن أساس الشر الكلمة التي تنحو صوبه.
وأسهل السبل لاكتشاف نوايا الشر لدى البشر وإن كانوا على استعداد لترجمتها على أرض الواقع هي من خلال دراسة الخطاب أو الكلام الذي يكتبونه أو ينطقونه.
والله سبحانه وتعالى يضرب الأمثال، مثل قوله: " ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين"، "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار"، "ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون".
الكلام الشرير يخرج من القلب كما أن الكلام الطيب يخرج من القلب. ونحن لسنا إلا الكلام الذي ننطقه ونكتبه.
وإن ضربنا مثلا رجلا مسؤولا يغرد مبشرا القراء بأن صديقه على حق حينما نصحه باتباع "الشر" وسيلة لتحقيق غاياته، أظن يحق لنا أن نقول إنه مثل الشجرة الخبيثة.
هل نخشى هؤلاء؟ نعم. هل نمنحهم مناصب ومسؤوليات؟ كلا. وإن تبوأوا المسؤولية أجزم أنهم سيفسدون في الأرض.

إنشرها