ما بين الانفتاح والانغلاق السياحي

|


هل تتخيل بلدا مغلقا أمام السياحة بشكل كامل؟ ماذا سيكون انطباعك عن ذلك البلد لو فكرت في زيارته يوما ما؟ اليوم، لا يوجد في العالم بلدان تتشدد في إجراءات منح تأشيرة السياحة سوى عدد قليل يعد على أصابع اليد الواحدة. قبل أعوام كنت أرغب في حضور مؤتمر علمي في الصين، فحاولت السفر ولم أتمكن لضيق الوقت وتشدد إجراءات منح التأشيرة، فشعرت بغرابة شديدة من التضييق على السياحة على الرغم من فوائدها العظيمة على تلك الدولة من الناحيتين الاقتصادية والثقافية، حتى السياسية.
التواصل الثقافي يؤدي إلى التفاهم والسلام بين الشعوب، بعيدا عن النظرة الضيقة التي تعظم الفروق بين الأمم والشعوب وتنظر للآخر نظرة استعلاء وريبة. فالعالم أصبح قرية صغيرة وازداد تشابكا واتصالا من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فأصبحت أسواقنا تحتوي على فواكه وخضراوات من شرق الكرة الأرضية وغربها، ما بين العنب الهندي، والجزر الأسترالي، والتفاح الأمريكي، والبرتقال الإفريقي. وأصبح الإنسان على علم بما يحدث في أي زاوية من زوايا الكرة الأرضية مهما كانت بعيدة! بالأمس تفتح المملكة أبوابها للسياحة العالمية. قد أتفهم قلق البعض حيال السياحة، وخشيتهم من بعض الآثار السلبية التي قد تترتب من فتح الباب أمام السياحة، لكن السؤال الأهم: إلى متى سيكون بلدنا مغلقا أمام الزوار الراغبين في الاطلاع على إمكاناته السياحية سواء من حيث الآثار أو الطبيعة الصحراوية المميزة أو التراث والفنون الشعبية؟ وهل من المنطق أن يبقى بلدا مغلقا إلى الأبد أمام رغبات الآخرين المتزايدة في زيارتنا؟
إن إغلاق الحدود أمام السياحة والتواصل الحضاري ليس حلا أو سبيلا للمحافظة على القيم والتراث، بل وسيلة للانكفاء على الذات والموت البطيء، لأن الثقافات تنهل من بعضها، لتزدهر وتنمو من خلال التواصل الحضاري. لذلك فإن الأمر يتطلب صقل كنوز الثقافة والتراث والقيم والأخلاق العربية والأكلات الشعبية وإبرازها للعالم في ثوب جذاب ومميز يعكس الهويتين العربية والإسلامية. ولا شك أن وجود الحرمين الشريفين يعد مصدر جذب قويا للمسلمين الراغبين في العمرة إلى جانب السياحة، كما أن المملكة تزخر بالآثار والتراث في مختلف مناطقها الإدارية، إلى جانب الرمال الذهبية والكثبان الجميلة والجبال الشاهقة وكذلك الشواطئ الدافئة الممتدة التي يمكن أن تقوم حولها أنشطة سياحية كثيرة ذات مردود اقتصادي كبير للأفراد ورجال الأعمال خصوصا والاقتصاد السعودي عموما. ولا يقل عن ذلك أهمية دور السياحة في نشر الثقافة والتراث والتعريف بالدول وتاريخها بدرجة أكثر فعالية من الإعلام الرسمي في كثير من الأحيان. لا شك أن السياحة تسهم في توفير عديد من فرص العمل سواء في مجالات الصناعة والحرف اليدوية والهدايا أو في صناعة السياحة ذاتها، ما ينعكس إيجابا على الاقتصاد. لكن يمكن أن تسهم السياحة في تدمير البيئة وزيادة التصحر إذا لم يواكب ذلك تنمية الوعي البيئي ووجود أنظمة وتعليمات واضحة وصريحة.
ولا شك أن ضبط الأمور والحد من المشكلات المصاحبة لقدوم السياح يكمن في وجود أنظمة واضحة ومعلنة وتطبيقها بصرامة على الجميع دون استثناء مثل لائحة الذوق العام. ولا يقتصر الأمر على الذوق واللياقة واللبس المحتشم، لكن هناك حاجة إلى تحديد أنظمة للإيجار لا تسمح بالإيجار اليومي للشقق المفروشة داخل الأحياء السكنية، وكذلك فإن التحقق من معلومات الأشخاص الراغبين في تأشيرة الزيارة بدقة وفاعلية ضرورة من ضرورات الأمن الوطني. وأخيرا الأمل كبير في أن تكون السياحة رافدا مهما من روافد الاقتصاد الوطني وسبيلا لإعطاء صورة أكثر إشراقا لبلدنا وتراثنا العريق وثقافتنا المميزة.

إنشرها