مراقبة التوطين في القطاع الخاص

|


التوطين - أو السعودة - يعد أحد البرامج الحكومية الرئيسة لمعالجة البطالة بين المواطنين. بدأ البرنامج منذ فترة طويلة وأحدث نوعا من الصراع بين المؤسسة التنظيمية، والقطاع الخاص الذي يرى صعوبة في التوطين ويبحث عن المخارج للانفكاك منه إلى أن وصل بالبعض الحال إلى جعل التوطين جزءا من التكلفة التشغيلية، حيث بدلا من أن يكون برنامجا للاستدامة في الموارد البشرية لديه، أصبح البعض يوظف المواطن دون أن ينتظر فائدة منه ويدعه في صراع مع القوى العاملة الأخرى، فينتهي به الأمر إلى أن يكتفي بالحصول على راتب محدود مقابل الاستفادة منه في إتمام الالتزام تجاه الجهات الحكومية فيما يتعلق بالتوطين، وهنا زادت الفجوة بين القطاع الخاص والمؤسسة التنظيمية، وجعلت أمر معالجة البطالة يسير بشيء من البطء. ورغم التحسن الملحوظ، إلا أنه أتى بعد إجراءات صارمة من قبل الجهات التنظيمية وليس عبر تطور طبيعي في مسألة التوطين.
في تقرير نشرته صحيفة "الاقتصادية" عن ارتفاع نسبة القوى العاملة الوطنية في مقابل القوى العاملة الأجنبية، وكما جاء في التقرير: "ارتفعت نسبة التوطين في القطاع الخاص للمشتركين في نظام التأمينات الاجتماعية، بنحو 1.3 نقطة مئوية بنهاية الربع الثاني من العام الجاري لتصل إلى 20.3 في المائة، مقارنة بنهاية الفترة نفسها من 2018 البالغة 19.0 في المائة. وبحسب رصد وحدة التقارير في الصحيفة، استند إلى بيانات مؤسسة التأمينات الاجتماعية، فإن نسبة التوطين في القطاع الخاص سجلت بنهاية الربع الثاني 2019 أعلى مستوياتها في 18 ربعا، أي منذ نهاية الربع الأول من عام 2015، إذ كانت تبلغ حينها نحو 17.1 في المائة. وبلغ عدد المشتغلين في القطاع الخاص المسجلين في نظام التأمينات الاجتماعية بنهاية الربع الثاني 2019 نحو 8.25 مليون مشتغل، منهم 1.67 مليون مشتغل سعودي، و6.58 مليون مشتغل أجنبي".
لا شك أن ذلك تطور جيد، وهو يشير إلى أن الفرص جيدة للقوى العاملة الوطنية لتجد فرص العمل في القطاع الخاص، إلا أنه بالنظر إلى حجم القوى العاملة الأجنبية مقارنة بالقوى العاملة الوطنية، نجد فجوة كبيرة جدا، فرغم أهمية وجود الكفاءات الأجنبية والقوى العاملة في القطاعات غير المستهدفة بالتوطين، إلا أن القطاعات المستهدفة بالتوطين ما زالت لم تحقق الهدف المنشود من التوطين. فمن خلال زيارة مجموعة من القطاعات التي أعلن أنه سيتم توطينها بالكامل، إلا أن الواقع يناقض ذلك نسبيا، حيث إنه يوجد توطين نسبي، لكن لم يتم توطين تلك القطاعات بشكل كامل أو حتى بنسبة تصل إلى 50 في المائة. وبطبيعة الحال، إن لم تكن هذه النسبة دقيقة بشكل كامل، إلا أنه من خلال زيارة بعض المتاجر المستهدفة بالتوطين، نجد هذه الفجوة واضحة، وهنا يمكن أن نتساءل: هل المسألة عبارة عن تدرج غير معلن، حيث إن هذه المتاجر تأخذ وقتا إلى أن تثبت أنها تسير وفق برنامج معقول لتوطين الوظائف بشكل كامل، أو على الأقل وفق الأنظمة التي أعلنتها وزارة العمل في هذا الشأن، أو أن هناك عدم التزام حقيقيا من قبل المتاجر في ظل ضعف أدوات الرقابة لدى المؤسسة الحكومية، ما أدى إلى عدم الالتزام بالتوطين بالصورة المطلوبة، أو أنه عمليا لا يوجد ما يكفي من القوى العاملة الوطنية المهيأة للعمل في القطاعات المستهدفة بالتوطين؟ وهنا تأتي أهمية دور المؤسسة المعنية في هذا الشأن لتعمل على اتخاذ خطوات مناسبة للمعالجة، فالعاملون في الجهات المعنية هم مواطنون لديهم احتياجات تتطلب زيارتهم المتاجر التي تم إعلان استهدافها بالتوطين، وبالتالي يعلمون كأي مواطن أن الالتزام في تلك المتاجر لم يتم بالشكل المطلوب، وبالتالي لا بد من التواصل مع تلك المؤسسات للاطلاع على أدائها في مسألة التوطين والنظر إلى الصعوبات التي تواجهها، ومعاقبة المؤسسات غير الجادة في الالتزام بالتوطين، فتجاهل هذا الأمر يمكن أن يحدث خللا ويتسبب في الإضرار بالمؤسسات الأكثر التزاما وتجد في هذا الالتزام تكلفة إضافية لا تتحملها عمليا جهات أخرى منافسة، ما يجعل فرص البقاء والنمو للمتاجر الأقل التزاما بالأنظمة الخاصة بالتوطين، وهذا يتطلب مزيدا من الشفافية والتواصل الإعلامي من قبل الجهات الرقابية التي لها علاقة بالتوطين، إضافة إلى إعلان الإجراءات التي تمت تجاه من يخالف الأنظمة الخاصة بالتوطين بصورة عامة.
الخلاصة: إن مسألة توطين الوظائف تحد كبير، وهو - أي التوطين - برنامج لا يمكن الرجوع أو التراخي فيه، للحاجة إلى معالجة البطالة. لذلك، من المهم المراقبة الفاعلة للتأكد من التزام المتاجر بالتوطين في القطاعات المستهدفة، ومعاقبة الجهات المقصرة في ذلك، والإعلان عنها من خلال التواصل مع المؤسسات الإعلامية أو التشهير بتلك الجهات في الصحف الرسمية.

إنشرها