مسألة الهدر وكيف نتعامل معها؟

|

يرى الهادر في "الهدر" أمرا "عديم القيمة"، أي لا خير فيه، ولا فائدة منه، وبالتالي لا مانع من التخلص منه. لكن نظرة الهادر إلى الهدر ليست بالضرورة صحيحة، فقد يحمل الهدر، في نظرة أخرى، "قيمة" يمكن تفعيلها والاستفادة منها، لكن الهدر أضاعها، وباتت فقدانا لا يعوض. وللهدر بالإنجليزية كلمتان "Waste & Loss"، وتحمل كل منهما معنى "الفقدان" أو "الضياع" لقيمة كان يمكن أن تكون مفيدة. وكما أوضحنا في مقالات سابقة، يعد شعار "التخلص من الهدر Zero-Waste" أحد أعمدة أفكار جودة الوحدات الاستراتيجية، لأنه يدعو إلى الابتعاد عن الهدر، وعدم التفريط في أي قيمة، وإنما العمل على المحافظة عليها والاستفادة منها لتعزيز فاعلية العمل والارتقاء بكفاءة معطياته.
وللهدر أنواع ترتبط بالقيمة المهدرة، أو المفقودة. هناك هدر "المال"، وذلك حينما نحصل على سلعة أو خدمة تحمل قيمة لا ترقى إلى ما تم دفعه مقابلها من مال؛ وهنا يكون المال المهدر هو الفرق بين قيمة ما تم دفعه، وقيمة ما تم الحصول عليه. ولهدر المال صور أخرى أيضا، مثل الهدر في الاستهلاك كهدر الطعام الذي كثيرا ما يظهر بعد الولائم ومثل هدر المياه، وهدر الطاقة، وهي مصادر مهمة للحياة يجب عدم الاكتفاء بتجنب هدرها فقط، وإنما السعي إلى ترشيد استهلاكها أيضا.
ولا يقتصر هدر المال على الأفراد، وإنما هناك هدر للمال على مستوى المؤسسات أيضا. وفي هذا الهدر أمور تتشابه مع ما سبق في فقدان القيمة، لكن يضاف إلى ذلك أمر مهم آخر. ويتمثل هذا الأمر في شراء مؤسسة ما وسائل مفيدة لكنها تستخدم على نطاق ضيق، وبالتالي لا تتم الاستفادة مما يمكن أن تقدمه من قيمة؛ مع تكرار مثل ذلك في مؤسسات أخرى، دون التنبه إلى "إمكان الشراكة" في هذه الوسائل، وتوسيع دائرة استخدامها، وتفعيل القيمة التي تقدمها والاستفادة منها على نطاق أوسع.هناك أيضا هدر "الزمن"، والزمن هو الحياة، هو الذي يتيح للإنسان الحصول على قيمة، ويمكنه من تقديم قيمة. وعلى ذلك يفترض في الإنسان، في حياته الشخصية أو المهنية، تجنب إضاعة الوقت في أمور لا تحمل قيمة، حيث يمكنه الاستفادة من هذا الوقت في أمور تؤدي إلى قيمة.
وليست هذه القيمة "مادية بالضرورة"، بل ربما تكون معرفية تعزز إمكانات صاحبها ورصيده الفكري، أو اجتماعية تعود بالفائدة على الفرد والمجتمع، أو ربما رياضية تفيد في بناء الجسم السليم وتنشيط العقل السليم. ولا شك أن على المؤسسات إعادة النظر في أساليب عملها "لتجنب هدر الزمن"، ويمثل هذا الأمر هدفا رئيسا، ليس فقط في إطار "إدارة جودة الوضع الراهن Quality Management في المؤسسة، بل في القيام "بإعادة هندستها Re-Engineering" وتطوير هيكلتها وتحسين أدائها.
ثم هناك، بعد ما تقدم، مسألة "هدر قيمة الإنسان"؛ ولها جانبان اثنان. أولهما مخالفة تشريعات المجتمع وقوانينه بما يؤدي إلى هدر هذه القيمة. ومثال ذلك سائق السيارة المستهتر على الطريق، فهو يعرض ذاته، وغيره أيضا إلى مخاطر تهدر قيمة الإنسان، بل حياته ذاتها. أما الجانب الثاني، فيتعلق بهدر قيمة إنسان من قبل إنسان آخر مصاب بمشاعر الفوقية على الآخرين لأي سبب كان، اجتماعيا أو معرفيا أو إداريا، وذلك من خلال سلوك غير محمود. وتجدر الإشارة هنا إلى أن لكل إنسان دورا أساسيا في الحياة. ففي مقر أي مؤسسة يقوم عامل النظافة بإعطاء الصورة المبهجة النظيفة للمؤسسة لجميع الزائرين والعاملين، وذلك دور أساسي لا يقل أهمية في نجاح المؤسسة عن أي دور آخر يقوم به العاملون الآخرون.
بعد تعريف الهدر وأنواع رئيسة فيه سنحاول فيما يلي طرح توصيات بشأن الحد منه على مستوى الإنسان الفرد، وكذلك على مستوى المؤسسات. إذا بدأنا بمستوى الفرد نجد أمامنا "خمس توصيات" معروفة، يرمز لها بالرمز (5R)، وضعها موقع "وسائل التخلص من الهدر zerowastekit.org". تقضي التوصية الأولى بالسعي إلى "التمرد على عادات الهدر Refuse" التي يكتسبها الإنسان في حياته، مثل هدر أجزاء من الوجبات الغذائية، وهدر المياه والطاقة، وهدر الزمن، وغير ذلك. ولا تكتفي التوصية الثانية بهذا التمرد على الهدر، بل تركز على "الحد من الاستهلاك Reduce"، وتدعو كل فرد إلى التساؤل عن مدى حاجته إلى ما يريد اقتناءه، والغاية هي عدم التورط في امتلاك ما ليست له حاجة فعلية.
تدعو التوصية الثالثة كل إنسان إلى "إعادة استخدام ما لديه Reuse"، إذا كان ذلك ممكنا بدل اقتناء الجديد، وهدر ما سبقه. وتؤكد التوصية الرابعة ذلك بوجهة نظر أخرى هي إعادة استخدام ما لدى الإنسان "في مجال آخر Repurpose" إن أمكن ذلك، بدل هدره لمصلحة الجديد، ومثال ذلك استخدام علب الطعام البلاستيكية لأغراض تخزين أخرى بعد استهلاك ما كان فيها، وبالتالي عدم هدرها. وتأتي التوصية الخامسة لتؤكد الإسهام في "إعادة تدوير Recycling" بعض مواد القمامة عبر إلقائها في الأماكن المخصصة لذلك، حرصا على إعادة الاستفادة منها، بدل هدرها. وقد يبدو أن هناك شيئا من المبالغة في هذه التوصيات الخمس، لكنها تعطي بعض الأفكار الشخصية المفيدة للحد من الهدر.
ولعلنا نختم بمقترح نقدمه للمؤسسات، سواء الحكومية أو الخاصة، يهدف إلى تمكينها من الحد من الهدر فيها. يقضي هذا المقترح بأن تعلن كل مؤسسة لمنسوبيها مسابقة شعارها "الحد من الهدر" بمختلف أنواعه وأشكاله. تطلب المسابقة من كل منسوب يرغب في المشاركة طلبين اثنين: "أولهما أن يحدد حالة هدر يراها مهمة في المؤسسة؛ ثانيهما أن يقدم توصية يراها مناسبة للحد من هذا الهدر". تجمع إجابات المنسوبين بعد ذلك وتحال إلى لجنة مستقلة تعمل على وضع تقرير يصنفها تبعا لأهمية معطياتها، وإمكانية تنفيذ توصياتها، والأثر المتوقع منها؛ على أن يتم منح جوائز على أساس هذا التصنيف. ويبقى تقرير اللجنة ذخيرة للمؤسسة يساعدها على تفعيل كفاءتها عبر الحد من الهدر فيها بأشكاله المختلفة.

إنشرها