العد التنازلي لـ«مهرجان بريكست»

|


"حدود جديدة بين إيرلندا الشمالية وإيرلندا إذا خرجت بريطانيا بلا اتفاق"
جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية

37 يوما باقية حتى موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست". المشهد العام خطير ومريب ومفكك، تغلفه معارك سياسية وحزبية ومخاوف لوجيستية. مشهد تدخلت فيه المحكمة البريطانية العليا بعد أن سبقها تدخل محاكم في اسكتلندا وإنجلترا حول هذا الخروج الذي لا أحد يعرف بالفعل شكله ونهايته وآفاقه. في الـ17 من الشهر المقبل، ستكون هناك قمة أوروبية، وفي هذه القمة سيتحدد أيضا مصير "بريكست" لكن بصورة حاسمة هذه المرة، فإما أن توافق على تمديد مهلة خروج المملكة المتحدة فترة إضافية أخرى، وإما أن ترفض ذلك بحجة أن تطورا جديدا لم يحدث لتبرير القيام بالتمديد. يحدث ذلك وبرلمان بريطانيا مغلق بأمر من بوريس جونسون، رئيس الوزراء الذي وجد أن استمرار أعمال البرلمان يمثل إعاقة لمفاوضاته مع الاتحاد الأوروبي.
لكن جونسون أعلن قبل أن يصل إلى زعامة حزب المحافظين وبالتالي إلى رئاسة الوزراء، أنه سيسحب بلاده من الاتحاد الأوروبي نهاية الشهر المقبل، سواء حصل على اتفاق جديد أم لم يحصل. فقد قال جملته الشهيرة التي ترددت يوميا "الانسحاب أو الموت"! وهذا يعني أنه سيخرج بلا اتفاق في الموعد المذكور، رغم أن مجلس العموم البريطاني تمكن قبل ساعات قليلة من الإغلاق القهري للبرلمان من تمرير قانون يمنع رئيس الوزراء من الانسحاب بلا اتفاق، وحصل هذا القانون على الاعتماد الملكي. وإغلاق البرلمان أو الـProrogation ضرب بالفعل الحالة الديمقراطية في البلاد كلها، إلى درجة أن قال إيدان أونيل أحد المحامين الاسكتلنديين الرافضين للإغلاق أمام المحكمة العليا "أم البرلمانات تم إغلاقها من قبل أب الأكاذيب". في إشارة إلى رئيس الوزراء نفسه.
التلاسن بين الحكومة البريطانية والمفوضية الأوروبية لم يتوقف حول ما يجري حيال الخروج البريطاني. فالأولى تعلن أن شيئا ما يتحقق على صعيد المفاوضات، في حين تقول الثانية إنها لم تتسلم حتى اقتراحا رسميا واحدا لإطلاق المفاوضات مجددا بحزم تستحقه وتفرضه الفترة الزمنية القصيرة المتبقية. وقد بلغت حدة الموقف، أن تخلف رئيس وزراء بريطانيا عن مؤتمر صحافي مشترك بعد محادثات مع نظيره في لوكسمبورج كازافيه بيتيل. وكانت حجة لندن أن هناك مظاهرات خارج قصر الرئاسة تهتف ضد المسؤول البريطاني. ومن المفارقات أن بيتيل عقد المؤتمر الصحافي المشار إليه والمنصة المخصصة لجونسون فارغة وخلفها العلم البريطاني! بالطبع عد هذا الأمر إهانة للمملكة المتحدة من أنصار رئيس الوزراء، في حين رد بيتيل قائلا: إن المؤتمر اتفق عليه من قبل الجانبين، والقاعة الداخلية في الرئاسة لا تستوعب العدد الكبير من الصحافين المشاركين.
انقضت هذه المسألة بعد ساعات، لكن الآتي أعظم على الساحة البريطانية. وهنا المصيبة التي يسعى جونسون إلى تجنبها، وتتعلق بالطبع بالمسألة الإيرلندية ضمن اتفاق الخروج. المثير أن الأوروبيين الذين كانوا يرفضون المساس بهذا الجانب من الاتفاق، أعلنوا أنهم على استعداد أن يدخلوا تعديلات سياسية مرفقة للاتفاق، لكنهم لن يفتحوا الاتفاق الذي وافقت عليه الحكومة البريطانية الراحلة سابقا. وإذا أرادت حكومة جونسون الانسحاب بلا اتفاق نهاية الشهر المقبل، لا بد أن تظهر على الفور حدودا جديدة بين إيرلندا الشمالية التابعة للتاج البريطاني، وإيرلندا المستقلة المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي. وهنا تتفاقم المصيبة لأن اتفاق السلام الإيرلندي الموقع قبل 20 عاما ينص على إبقاء حدود الإيرلنديتين مفتوحة على بعضها بعضا. وهذه النقطة هي في الواقع عماد اتفاق السلام.
الأوروبيون يعرضون شيئا آخر، وهو وضع حدود بين بريطانيا وإيرلندا الشمالية إذا ما أصرت لندن على "بريكست" بلا اتفاق وبذلك يتم الحفاظ على اتفاق السلام الإيرلندي. وفي الاقتراحين تكمن الكارثة السياسية. ففي الأول يتم القضاء بالفعل على جزء أساس من اتفاق السلام، وفي الثاني يتم فصل جزء من المملكة المتحدة عن البلد الأم! ما الحل إذن؟ أن يبعث جونسون رسالة للمفوضية الأوروبية يطلب منها تمديد بقاء بلاده في الاتحاد الأوروبي لفترة وجيزة أخرى، إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق خروج مقبول من قبل الجميع. وبالطبع ترفض الحكومة ذلك بحجة وصولها إلى السلطة تحت شعار عريض "الانسحاب أو الموت" في الـ31 من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. ما يعني أن على الحكومة الاستقالة.
يتفق المؤرخون على أن قضية "بريكست" هي الأهم في تاريخ بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية. فهي لا تنحصر في إنهاء عضوية دولة في تجمع ما، بل تستهدف وجود المملكة المتحدة نفسها ككيان يعرفه العالم أجمع، خصوصا مع تهديدات اسكتلندا بالانفصال بحجة أنها صوتت للبقاء في الاتحاد الأوروبي. في الأسابيع القليلة المقبلة، سيرى العالم مسألة نادرة الحدوث في منطقة من المفترض أنها وصلت إلى النضوج السياسي والإنساني. تكفي الإشارة إلى أن المحاكم وجدت طريقها لأروقة الحكومة.

إنشرها