أخبار

المؤسس .. قاعدة عريضة من المستشارين لا تغني عن مشورة الشعب

يروي التاريخ أن مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - جمع عدة خصال في رجل واحد، بنى دولة قوية، وتولى مهام جسيمة، حققت نقلة نوعية لهذه الأرض المباركة.
صدرت عشرات الكتب بمختلف اللغات عن الملك عبدالعزيز، تتناول جوانب شخصيته، وحكمته، ومواقف وصور وأحاديث جمعتهم به.. "الاقتصادية" بدورها تنقل مواقف وأحاديث كتبها رحالة ومؤرخون عن المؤسس، الذي جمع شتات الوطن، وبنى مملكة عظيمة على أسس راسخة وأصيلة، نحتفل بيومها الوطني الـ89.

سمح المحيا شديد العزم
في كتاب "رحلة في قلب نجد والحجاز سنة 1926"، لمؤلفه محمد شفيق أفندي مصطفى، الذي زار مناطق المملكة المختلفة، وجالس المؤسس الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - يصفه بأنه "طويل القامة ممتلئ الجسم، نحاسي اللون، براق العينين، سمح المحيا، يضع على عينيه نظارة، وتبدو عليه مخايل الذكاء المفرط وقوة الإرادة وشدة العزم، مع سماحة الخلق وأناة وتدبر في كل ما يخرج من فمه من الكلام، وجلالته يناهز الـ50 من عمره، وقد أصيب في إبهام يده اليسرى برصاصة أثناء الحرب، فتركت أثرا ظاهرا فيه حتى الآن، ومن عادته إذا سار خفض رأسه نحو الأرض، ويلبس عباءة نجدية مزخرفة بالذهب، كثيرا ما يرفع جزءا منها تحت إبطه، لا يسرع أثناء سيره، وهو محبوب من شعبه، لا يتوجس خيفة من أحد، فلا يهتم كثيرا بملازمة الحرس إياه".
وقال "لقد اعتاد جلالته أن ينهض قبل انبثاق الفجر من دون أن يلزم أحدا من خاصته بالنهوض في ذلك الوقت، وبعد أن يتوضأ ويتلو ما تيسر من القرآن الكريم ويؤذن المؤذن بصلاة الفجر يقصد إلى مسجد القصر، فيؤدي صلاة الفجر، ومن ثم يعود إلى إيوانه فيتناول طعام الإفطار مع من يكون حاضرا من أبنائه وأفراد أسرته، حتى إذا فرغ من هذا انتقل إلى مكتبه الخاص في ديوانه، فيأخذ في مطالعة الرسائل واستعراض بعض المسائل وبحثها وإبداء رأيه كتابة، ويظل كذلك حتى بعد شروق الشمس بساعة، ومن ثم ينتقل إلى إحدى قاعات الاستقبال، حيث يستقبل بعض أخصائه، ويرسل في طلب بعض من لهم به شأن مهم، وبعد ذلك يستقبل وفود الإخوان "البدو"، فيقضي في الاحتفاء بهم ومسامرتهم وسماع ما يدلون به إليه من الأقوال والأحوال وقتا غير قليل، ومما يذكر أن أولئك "الإخوان" يتحدثون إلى مليكهم وكأنهم يخاطبون واحدا من إخوانهم البدو في الصحراء، وليس ذلك منهم - كما يتبادر إلى بعض الأذهان - قلة احترام لملوكهم، لكنهم يفعلون ذلك تمسكا بسنة السلف الصالح والسير على ما كان عليه المسلمون في أيام الخلفاء الراشدين، مثال ذلك أني رأيت أحدهم يخاطب مولاه الملك بقوله "يا عبدالعزيز"! فاستكبرت منه ذلك وكدت لا أصدق سمعي لسعة صدر جلالة المخاطب، لولا أن أحدهم همس في أذني قائلا "ذلك هو الدستور الذي شرعه لنا هذا الملك، فهو يقبله على العين والرأس، ولا يرضى سواه بديلا".
ويصف مصطفى يوما في حياة الملك، فكتب "عند الضحى ينتقل جلالته إلى قاعة تعرف باسم "المجلس الكبير"، حيث يجتمع فيها عادة أمراء الأسرة الرشيدية والعايدية، وهذه الأخيرة هي الأسرة التي كانت تحكم بلاد أبها التابعة لحكم نجد الآن، وكذلك بعض كبار أعيان نجد وزعماء باديتها، وهنا في هذا المجلس يستعرض جلالته الشؤون العامة في كل ما دق وجل، فبينما تراه يعلق على حديث نبوي، إذا به يصل هذا التعليق بمسألة عامة أو بحادثة تاريخية أو بأمر مستقبل يريد أن يومئ إليه بهذا الحديث، وبعد أن ينفض ذلك المجلس يذهب جلالته إلى القصر الخاص الذي يقيم فيه والده الشيخ، وهو - رغما عن كونه في العقد التاسع من عمره - على جانب عظيم من الذكاء وسرعة البديهة ورقة الجانب، فضلا عن كونه محبوبا من سائر أهل نجد، وبعد أن يقضي في حضرته برهة ينتقل إلى زيارة كبرى شقيقاته الأميرة نورة، التي يجلها جلالته ويضعها في مكان خاص من نفسه، فقد جرت عادة أهل نجد أنهم يخصون كبرى شقيقاتهم بأجل مظاهر التوقير والإجلال".
ويضيف "ومن عادة جلالته بعد أداء فريضة العشاء أن يطوف بموظفي ديوانه ويستطلع ما لديهم من الأعمال ويزودهم بما يعن له من الآراء، وفي بعض الأحيان عندما يرى الظروف مناسبة يستقل سيارته ومعه بعض أفراد حاشيته ويذهب للصيد والقنص في البادية. وقد جرت العادة بعد صلاة الجمعة أن يجلس الملك ونائبه في ردهة القصر الملكي، ويستقبل المصلين فيمر بهم الساقي بالشاي، ثم بالقهوة النجدية، ومن ثم يطوف بالحاضرين رجلان يحملان مبخرة يتضوع منها عبير المسك والعنبر".

مع عباس العقاد
في عام 1364 أوفد عباس محمود العقاد كاتب "العبقريات" لمرافقة الملك عبدالعزيز ضمن الوفد الرسمي في زيارته إلى مصر، فكان مما قاله "إذا عرفتَ الملك عبدالعزيز ثلاثة أيام، فكأنك قد عرفته ثلاثة أعوام، أو لازمته في أطول الأوقات، لأن هذا الرجل العظيم مطبوع على الصراحة، ووضوح المزاج، لم تشتمل نفسه القوية على جانب من جوانب الغموض، فهو في أخلاقه وأعماله ومألوفاته يمضي على وتيرة واحدة، وأول ما يدهشك من منظره قوة النفس والعقل والحس على السواء، وهو الآن يناهز الـ67، ويحتفظ بقوة عضلية لا تتوافر لكثيرين في سن الـ20 أو الـ30".
وقال في كتاب "مع عاهل الجزيرة العربية"، الذي نثر فيه ذكرياته وخواطره بعد زيارة الملك عبدالعزيز مصر في عام 1946، وكان له شرف مصاحبته من ميناء جدة حتى ميناء السويس، "إن الملك كان يتحدث إليهم بعبارة سهلة خالية من كل تكلف، فإذا أراد أن يوجه انتباه سامعيه إلى نقطة معينة في حديثه توقف عن الكلام لحظة وقال (نعم)، بمعنى أليس كذلك، وحينئذ يرد السامعون بما يدل على أنهم يستوعبون الحديث فيمضي الملك"، ويضيف العقاد "الملك عبدالعزيز ليس من العظماء الذين يحبون احتكار الحديث في مجالسهم، فإذا أراد أحد جلسائه أن يبسط رأيا أو يستشهد بواقعة قديمة أو أن يقص قصة مناسبة للمقام، تركه يفعل ذلك وأصغى إليه بعناية تامة، ثم يستأنف حديثه".
وعاود العقاد الكتابة عن الملك عبدالعزيز في مقام آخر عن الفكاهة في أحاديثه الخاصة، فكما يرى العقاد؛ "فإن العظيم الذي لا يطرب للفكاهة ليس بعظيم".
"ويحيط بالملك عبدالعزيز نخبة من المستشارين الذين يختارهم من الشيوخ المحنكين والشبان المطلعين، وبعضهم من نجد والحجاز وسائر أنحاء الجزيرة العربية، وبعضهم الآخر من سورية أو فلسطين أو طرابلس أو مصر أو البلاد الإسلامية، فهم بمنزلة جامعة عربية صغيرة، يمثلون عند جلالته بمختلف المقاصد والآراء، كما أنه عظيم العناية باستطلاع رأي شعبه والرجوع إليه في المشكلات التي تتفرق فيها المنازع ويتشعب فيها مجال القيل والقال".

طعامه ونومه
وكتب عباس العقاد عن مائدة الملك عبدالعزيز "جلالته منذ الصبا لا يميل إلى الإكثار من ألوان الطعام، ولا يحب الدسم ولا الحلوى، ويقصر غذاءه في معظم الوجبات على الأرز واللحم غير ناضج كل النضج، ويحب من الخضر "البامية" على الخصوص، لكنه يكتفي منها بمرقها، وقلما يصيب من حباتها، وقد يشرب قليلا من الماء على الطعام يحمله خادمه الأمين "مرجان" في كوب طويل ويقف به وراءه ما دام على المائدة، ويتفضل جلالته فيناول الكوب من يختصهم من ضيوفه بالحفاوة والإكرام"، مضيفا "أخبرنا جلالته أنه منذ عشرة أعوام لم يشرب ماء من غير عين الجعرانة في الحجاز وعين البديعة في نجد، وقد شربنا من مائهما فإذا هو ماء صاف سائع المذاق، ونرجح أنه يحتوي بعض الخصائص المعدنية التي تساعد على هضم الطعام، وربما استغنى عن شرب الماء بشرب اللبن المخيض بعد الغداء أو بعد العشاء، وهو غذاء طيب الطعم مفيد للجسم".
وتابع في حديثه "ومواعيده في النوم واليقظة منتظمة في جميع المواسم والأوقات، فيستيقظ قبل الفجر، ويقضي نحو ساعة في التهجد وقراءة القرآن، ويصلي الفجر، ثم يستقبل بعض خاصته لإطلاعه على مهام الأمور التي تتطلب التعجيل، ثم يغفو قليلا ويخرج للناس. ومن عاداته بعد العشاء أن يصغي إلى فصول من كتب التفسير والحديث، أو كتب الأدب والتاريخ، ثم تُتلى عليه أخبار الإذاعة التي يتلقاها الموظف المنوط بها من أهم المحطات العربية والشرقية، فيعقب عليها أحيانا تعقيبا موجزا، يدل على بعد النظر، وتتبع الأحوال السياسية في مشارق الأرض ومغاربها".
ومن الأحاديث التي يطرحها الملك عبدالعزيز - بحسب العقاد - حديث الصيد والقنص في الصحراء، لأنها رياضته المفضلة كلما اتسع لها وقته، وقد تحدث حديثا شائقا عن صيد الغزال في "القيظ"، وصيد الحبارى في أواخر الشتاء، وخيّل للحضور من حماسته أنه يتكلم وهو في الطراد.

الأب وأبناؤه
وحول معاملة والده له بعد فتح الرياض، يروي العقاد أن الملك عبدالعزيز ابتسم وقال وقد بدا على وجهه التأثر والحنان "رحمة الله على والدي، لقد كان يعاملني كأنني أنا الوالد وهو الولد، وما رأيت قط معاملة كهذه بين الآباء والأبناء أو بين الإخوة والأقربين"، وعلى قدر توقيره وحنانه لذكرى والده -رحمه الله- يقول العقاد "رأينا آيات العطف والمحبة على ملامح وجهه كلما نظر إلى أبنائه النجباء، وهو يسميهم "ربعه" ويحب أن يراهم أمامه على مائدة الطعام، فهو ابن بار كريم، وأب عطوف كريم".
أما عن أبنائه الأمراء، فيقول العقاد "إن أبناء الملك عبدالعزيز يحبونه حب الأب الودود ويهابونه مهابة السيد المطاع، وجملة ما يقال في النظرة التي ينظر بها جلالته إلى أبنائه أنه يحتضنهم بعينيه ويشعر بالارتياح الشامل وهم على مشهد منه"، ووثق مواقف جمعته بأبناء الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، "حيث عرّف الحضور إلى أبنائه في القصر الملكي، فلم يتردد همسة واحدة في ذكرهم بأسمائهم على التوالي مع سرعة التعريف وسرد الأسماء، كما أنه له ذوق خاص في اختيار الأسماء لأبنائه، فيه تجديد أسماء آبائه وأجداده في الأسرة السعودية، أو التفاؤل للسلم والحرب أو الانتماء إلى الله".
وقد جرى - والحديث للعقاد - الملك عبدالعزيز "على عادة ملكية رشيدة في تدريب الأمراء على مهام الدولة وأعمال الحكومة، فمن بلغ منهم سن العمل والاشتغال بالمسائل العامة وكل إليه عملا يناسبه، ترقى به من مهمة إلى مهمة في مراتب الكفاءة والاختبار.
وعلى حب الملك لأبنائه ذلك الحب الجم الذي يبدو على أسارير وجهه، يأخذهم بالتربية العسكرية في المواقف الرسمية، ويطلب منهم أن يظلوا على استعداد لتلقي أوامره في كل لحظة وبغير تمهيد، فكان الأمراء جميعا لا يعلمون من منهم يسافر مع والده ومن منهم يبقى في نجد أو الحجاز، فيما تظهر عظمة الملك في حياته الخاصة من خلال علاقاته بإخوته وأخواته، فقد كان دائم الزيارة لأخته الكبرى، وكان يتلطف إليها ويشعرها بمكانتها عنده، لأنها أكبر منه، وكان يقبل رجاءها بل أمرها، ويتحدث إليها في الهاتف، كما كان يزور بناته في بيوتهن، ويحمل لهن الهدايا ليدخل على نفوسهن السرور".
ونقل كتاب "مع عاهل الجزيرة العربية" البيان الذي أصدره الملك عبدالعزيز، ويدل على عدله، ونص البيان "من عبدالعزيز بن سعود إلى شعب الجزيرة العربية.. على كل فرد من رعيتنا يحس أن ظلما وقع عليه أن يتقدم إلينا بالشكوى، وعلى كل من يتقدم بالشكوى أن يبعث بها بطريق البرق، أو البريد المجاني، على نفقتنا، وعلى كل موظف في البريد أو البرق أن يتقبل الشكاوى من رعيتنا ولو كانت موجهة ضد أولادي، وأحفادي، وأهل بيتي، وليعلم كل موظف يحاول أن يثني أحد أفراد الرعية عن تقديم شكواه مهما كانت قيمتها أو حاول التأثير فيه، ليخفف لهجتها، إننا سنوقع عليه العقاب الشديد، لا أريد في حياتي أن أسمع عن مظلوم، ولا أريد أن يحملني الله وزر ظلم أحد، أو عدم نجدة مظلوم، أو استخلاص حق مهضوم.. ألا قد بلغت اللهم فاشهد".

تواضع وهيبة
يشعر من يقابل الملك عبدالعزيز بتواضعه وهيبته، هذا ما وصفه به الأديب والشاعر السعودي أحمد عبدالغفور عطار في كتابه "صقر الجزيرة"، حينما قال "إذا وقف المرء تجاهه شعر بضآلته تجاه جسمه الصلب الوثيق الفارع، وإذا نظر إلى وجهه زاده هيبة غير راعبة عن التحديق فيه، فيختلس النظر إليه يتملى محياه الباسم وطلعته القوية البارزة، وتفيض مهابته على مجلسه فلا يطيق أحد الكلام إلا إذا مد له حبل تواضعه وسماحته، بل إن بعض من يحضرون للسلام عليه يفاجأون بمهابته فما يستطيعون النطق بحرف فيبتسم لهم ويهدئ منهم ويستدرجهم إلى البوح بما في أنفسهم ويدنو إليهم ويسألهم عن حالهم حتى يتكلموا ويشعروا كأنهم بمحضر صديق أو أب رحيم، ويفارقونه ولا يزال في أنفسهم رنين صوته العذب وذكريات عن تواضعه وسماحة نفسه ورجاحة عقله وصفاء قلبه وحسن نيته وطيب سريرته".
أما كتب الرحالة البريطاني فيلبي، القريب من الملك عبدالعزيز، فتروي أحداثا حياتية مما رأى وسمع، وقال في كتابه "العربية السعودية" عن الملك "جندي ناجح، ومصلح أصيل، تقي كل التقى، صريح حازم، ذكي متواضع، ولا أعلم أن في العالم حاكما غيره تتحدث معه رعيته بمثل الحرية التي تتحدث بها رعية عبدالعزيز معه، ذلك إلى جانب ما تكن له من إكبار وإخلاص عظيمين"، فيما وصفه الزعيم الهندي جواهر لال نهرو في كتابه "رسائل إلى ابنتي"، فقال "أثبت ابن سعود أنه الأذكى، فقد استطاع أن يقنع الإنجليز بالاعتراف باستقلاله، وأن يبقى على الحياد، وبعد أن نجح ابن سعود كجندي ومحارب كرّس كل جهوده لبناء بلاده على أسس عصرية حديثة، لقد أراد القفز بها من حياة القبلية إلى حياة العصر الحديث، ويظهر أن ابن سعود نجح في ذلك إلى حد كبير، وأثبت أنه رجل سياسي قدير بعيد النظر".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار