أخبار اقتصادية- عالمية

انخفاض متوقع لعدد السكان يهدد بوقوع الصين في فخ الاقتصادات متوسطة الدخل

تبدو بيانات الإنتاج الصناعي الأخيرة في الصين، التي تعد أحد أهم المؤشرات الاقتصادية المهمة، مخيبة للآمال، فنسبة النمو لم تتجاوز 4.4 في المائة فقط في آب (أغسطس)، مسجلة أضعف نمو منذ 17 عاما، وأسوأ من أداء القطاع الصناعي في تموز (يوليو) الماضي، عندما نما بنسبة 4.8 في المائة.
وتنبع أهمية مؤشر الإنتاج الصناعي في الصين، من كونه يقيس إنتاج الشركات الرئيسة في قطاعات التصنيع والتعدين والمرافق في البلاد.
وتكشف بيانات الشهر الماضي أن التباطؤ الاقتصادي يزداد سوءا، خاصة أن معدل النمو المتحقق أقل من المتوقع، الذي قدرته السلطات بنحو 5.2 في المائة.
لكن مؤشرات التراجع الصيني لا تقف عند مؤشر الإنتاج الصناعي، فقد تباطأ نمو مبيعات التجزئة في آب (أغسطس) ليصل إلى 7.5 في المائة، منخفضا عن شهر تموز (يوليو)، حيث بلغ 7.6 في المائة.
كما تراجع الاستثمار في الأصول الثابتة إلى 5.5 في المائة في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، منخفضا من 5.7 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى، على الرغم من الجهود الحكومية لتعزيز الاستثمار في البنية التحتية.
لكن البعض يضع تراجع مؤشرات الاقتصاد الصيني في الربع الثالث من هذا العام في إطار أوسع، بما ينبئ بأن التجربة ذاتها بدأت تفقد جذوتها.
ويؤكد لـ"الاقتصادية" البروفيسور ألكسندر إليوت أستاذ اقتصادات السكان سابقا في جامعة شنغهاي، والاستشاري في منظمة التجارة الدولية، أن هناك انخفاضا متوقعا في عدد سكان الصين بدءا من 2032، وهو ما سيدخل البلاد فيما يعرف بفخ الاقتصادات متوسطة الدخل.
وأضاف إليوت أن "جزءا كبيرا من نجاح التجربة الصينية يعود إلى توفير عمالة أرخص من الدول الصناعية الأخرى على نطاق واسع، والتطور الاقتصادي في الصين زاد من المد الاقتصادي لنحو 1.4 مليار مواطن صيني، ومن ثم ارتفعت الأجور، لكن يلاحظ أن البيانات السكانية أظهرت أن عدد العاملين في الصين يتقلص منذ بداية 2010، ويتوقع أن نشهد انخفاضا صافيا في عدد السكان بعد نحو 12 عاما من الآن، وعند مستويات الأجور الحالية في الصين يقترب العائد على رأس المال للمصنعين هناك من المستويات، التي شوهدت في الدول الناشئة مثل فيتنام وبنجلادش، وإذا واصلت الأجور ارتفاعها في الصين، فإن ذلك سيحدث تداعيات سلبية ضخمة على النمو الاقتصادي طويل الأمد".
ويقول لـ"الاقتصادية"، الدكتور فيليب وارتون أستاذ الاقتصاد الآسيوي في جامعة كامبريدج، إن "ثاني أكبر اقتصاد في العالم يكافح في مواجهة عديد من التحديات أبرزها الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، والأوضاع المشتعلة في هونج كونج، كما أن هناك جهودا حثيثة تبذل للاعتماد بدرجة أقل على القروض لتمويل النمو، وربما لذلك تدرك القيادة الصينية أنه يجب عليها تخفيف حدة التوتر التجاري مع الولايات المتحدة، وهو ما دفعها للإعلان عن إعفاء فول الصويا وبعض أنواع اللحوم الأمريكية من الرسوم الجمركية، وذلك لتهدئة التوترات التجارية قبل الجولة الجديدة المقبلة من المحادثات التجارية بين البلدين".
وتغذي المؤشرات الصينية الضعيفة كثيرا من التكهنات حول الكيفية، التي ستلجأ إليها السلطات، خاصة البنك المركزي للتعامل مع التباطؤ الاقتصادي في الفترة المقبلة.
وربما تكون الخطوات، التي اتخذتها السلطات النقدية الصينية أخيرا، ولأول مرة منذ ثمانية أشهر بخفض مقدار النقد، الذي يتعين على البنوك الاحتفاظ به في الاحتياطي النقدي لديها، إضافة إلى خفض سعر الإقراض الأولي مسعى لدعم النمو وفرص العمل.
إلا أن جورج ديفيد الخبير المصرفي يعتقد أن الإجراءات الصينية، التي اتخذت أخيرا، ومن بينها خفض قيمة اليوان لتعزيز التجارة الخارجية لن تفلح في تحقيق مرادها، وأن معدلات النمو الصيني ستواصل الانخفاض من 6.1 في المائة هذا العام إلى 5.7 في المائة العام المقبل.
ويضيف لـ"الاقتصادية"، أنه "يجب الإقرار بأن الاقتصاد الصيني يتمتع بمرونة كبيرة، وإمكانات ومساحة كافية للمناورة، لكن يجب التأكيد على أن الاقتصاد الكلي يواجه ضغوطا تدفعه للهبوط لأسباب ليست بالضرورة متعلقة بطبيعة الإجراءات الاقتصادية الداخلية، إنما متعلقة بتراجع نمو الاقتصاد العالمي، وتزايد الحمائية الدولية".
ويشير ديفيد إلى أن "معدل النمو الأولي للاقتصاد الصيني في الربع الثالث يعد الأبطأ هذا العام، فنسبة نمو الربع الثاني بلغت 6.2 في المائة، بينما لم تتجاوز في الربع الثالث 6 في المائة، ويمكن أن يقود ذلك إلى انكماش اقتصادي على المدى الطويل".
وتثير المؤشرات المتراجعة للاقتصاد الصيني تساؤلات لا تتعلق فقط بالأسباب، ودور الحرب التجارية مع الولايات المتحدة في هذا الوضع، وإنما تثير جدلا أكثر خطورة بشأن طبيعة ومقدار سياسات التحفيز، التي ينبغي أن تتبناها السلطات لكبح التباطؤ وللحيلولة دون مزيد من التراجع.
وتشير أغلب التوقعات الراهنة إلى أن تعمق الانكماش سيجبر الحكومة على التصرف بحزم أكبر، حيث ستلجأ لتسريع معدل نمو الائتمان، وخفض معدلات الفائدة بشكل كبير، وتخفيف إجراءات التضييق في أسواق العقارات، والقبول بعجز مالي أكبر، لزيادة الإنفاق على البنية التحتية، وخفض ضريبة الشراء المفروضة حاليا على السيارات، ودعم الأعمال التجارية لشراء السلع الرأسمالية.
لكن وليام بيتس الباحث الاقتصادي يعتقد أن تلك التدخلات ستعقد المشهد الصيني وربما الاقتصاد العالمي.
ويقول لـ"الاقتصادية"، إن "الفكرة الرئيسة للتعامل مع الاقتصاد الصيني هي دمجه في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وهذا يتطلب دورا أقل للدولة ودورا أكبر للقطاع الخاص، لكن نظرا للطبيعة السياسية للنظام الصيني، فإن كل أزمة اقتصادية تعني بالضرورة مزيدا من تدخل الدولة في النظام الاقتصادي، بمنحه مزيدا من التحفيزات للنهوض، وهذا لا يسمح للقطاع الخاص بأن يمتلك التجربة الكافية للتعامل مع الأزمات، ومن ثم يعيش الاقتصاد الصيني في دائرة مغلقة.. انتعاش اقتصادي يحظى فيه القطاع الخاص بوضع إيجابي، ثم أزمة اقتصادية تدفع الدولة للتدخل، ما يعزز دور الدولة الاقتصادي في مواجهة القطاع الخاص".
ويعزو مجموعة من الاقتصاديين التراجع الراهن في مؤشرات الاقتصاد الصيني للحرب التجارية مع الولايات المتحدة، لكن البعض الآخر يطرح توليفة أخرى من الأسباب تتجاوز الحرب التجارية إلى بنية الاقتصاد الصيني ذاته.
الدكتورة آنا جورج، أستاذة الاقتصاد الدولي في جامعة ليدز، تشير إلى أن نمو الإنتاجية في الصين يتباطأ منذ الأزمة المالية، ووفقا لتقديراتها فإنه يظل منخفضا نسبيا.
وتقول لـ"الاقتصادية"، إن "حل تلك المشكلة يعد العنصر الجوهري لضمان تفادي دخول الاقتصاد الصيني مرحلة الانكماش، ويتطلب ذلك تخصيص الموارد بكفاءة أكبر عبر إدخال إصلاحات جذرية على المؤسسات المملوكة للدولة، تجعلها تتمتع بدرجة أعلى من الشفافية، وقدرة أكثر على المنافسة، مع منح القطاع الخاص مزيدا من القدرة على المساهمة الاقتصادية".
وتضيف آنا جورج، أن الاقتصاد الصيني يعتمد منذ فترة طويلة على مستويات عالية من الاستثمارات وتوسيع القوى العاملة لتحقيق النمو، إلا أن تلك المحركات الاقتصادية بدأت تنفد، وهو ما دفع السلطات الصينية إلى جعل الابتكار والإنتاجية مصادر النمو المقبل، ما يتطلب فتح الاقتصاد بشكل أكبر أمام الاستثمار الأجنبي، والمنافسة عبر تعزيز حقوق الملكية الفكرية وتحسين جودة براءات الاختراع.
ويعتقد وليام بيتس الباحث الاقتصادي، أن الاقتصاد الصيني إذا بات أكثر تعقيدا عبر تعزيز القوى الابتكارية، فإنه سيحتاج إلى أن تقوم قوى السوق بلعب دور أقوى وأكثر حسما، بينما سيتطور دور الدولة ليتحول للتركيز على توفير توقعات السوق.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية