الشخصنة

|


كتبت كثيرا في مجال الإدارة، ولا يزال المجال خصبا للحديث والمتابعة، لكثرة ما ينتج في عالم الإدارة من المؤلفات، وما تحمله المؤتمرات وورش العمل من مفاهيم تتطور باستمرار مع العلاقة المتشابكة بين الإنسان ومكان عمله. أخطر ما يمكن أن يكتب عنه هو المعالجات لسوء الأداء التي يمكن أن تحقق نتائج إيجابية أو سلبية اعتمادا على المفهوم والتطبيق. هذان العنصران هما المؤثران الأهم في حالة الإدارة التي تستهدف الإنسان. أهمية هذين العنصرين "المفهوم والتطبيق" تأتي من علاقتهما بالتعقيد الهائل الذي يميز الشخصية البشرية التي يتعامل معها المدير.
هذا التعقيد نتيجة حتمية للعناصر الاجتماعية والنفسية والبيئية. الاختلاف الهائل بين استقبال الناس للمؤثرات وتأثرهم بها، وتفاعلهم معها يعني أنه ليس بالضرورة أن تنجح آلية أو فكرة أو تطبيق معين في كل البيئات وكل الدول. هذا يعني أنه لا بد أن يكون المدير ضليعا في البيئة التي يعمل فيها، وتكون لديه القدرة على التفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه أو يدير مكوناته.
هذا سبب مهم لعدم نجاح كثير من النظريات الأمريكية في الصين مثلا، ولعل ما واجهه البروفيسور ديمنج من رفض في الولايات المتحدة، وقبول جارف في اليابان جعله قائد التجربة الإدارية اليابانية الناجحة, لعل هذا يعطينا إشارة إلى العناصر غير المحسوسة في التعامل البشري مع المعطيات، واختلاف الرؤى باختلاف المجتمعات.
ذكرت سابقا أن أكبر عنصر يسيء إلى الإدارة في عالمنا العربي هو تداخل المصالح Conflict of Interest الذي يؤثر بشكل جارف في القرارات الإدارية، والمخرجات النهائية بل والعلاقات بين الناس في بيئة العمل. يمكن أن يكتب في هذا المجال المجلدات، ويمكن أن نضع من الأمثلة ما تنوء بحمله المؤلفات. عندما نتخلص من هذا الداء العضال – وهو من المصاعب التي أشك في تخطيها – سنكون في مرحلة متقدمة من العطاء والأداء المبني على الكفاءة.
تأتي في مرحلة موازية إشكالية كبرى، وهي الشخصنة. الشخصنة هي ربط الأشياء والإنجاز والأعمال والمواقع بالأشخاص. هذه الإشكالية المتوارثة تدل على عدم القدرة أو عدم الرغبة في التغيير الذي يجدد الدماء، ويضمن تغيير النظرة للأشياء والتفاعلات. الابتعاد عن الشخصنة مؤشر واضح لنجاح القائد, ويسهم في نجاح التغيير الإيجابي الذي يقاومه المجتمع بحكم بشريته, وهذا يسهل البناء على معايير علمية ومنطقية.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها