نصائح مالية فاشلة

|


أسوأ عملية تحسين تقوم بها تلك التي تستند إلى نصيحة سيئة وتخرج منها بلا نتيجة، وأسوأ منها تلك التي تجعل حالتك أسوأ من تلك التي كانت عليها قبل النصيحة! لا تنحصر المسألة فقط في سلوكياتك الجديدة المبنية على توجيه أو نصيحة سيئة، بل حتى معتقداتك. من أتعس النصائح تلك التي تجعلك تكره هذا الفن أو ذلك الباب من المعارف، أو تصبح متأكدا من أنه باب من أبواب الخداع والنصب خلافا لحقيقته، فتنزل بعد ذلك من عينك مكانة المهتمين به ولا ترجو من فوائده شيئا وربما تعاكس مبادئه وتتجاهل متطلباته، ثم تلحق بك الخسارة وأنت واهم بالظفر والغنيمة، كل هذا بسبب من يوقعك في شراك نصائحه الفاشلة. النصائح الفاشلة مثل شباك الصيد المهملة، عنصر مخرب في البيئة يصطاد بشكل عرضي "وعفوي" ولا يستفيد من صيدها أحد.
تخيل معي أن هناك من يعبر عن استيائه من الإيجابية والمثالية بسبب سلوكيات الناصحين. في السابق وجدنا من يكره التطوير الشخصي ويعده كذبا محضا، لأنه تلقى نصيحة سيئة ممن يدعي أنه مدرب للتطوير الشخصي أو أنه شاهد أساليب مبتكرة دون نتائج فعلية، ومثله آخر يذم برامج الرجيم لأنه وقع على إعلان تجاري وإخصائي صحي لا يأبه بأخلاقيات مهنته ولم يساعده على الحصول على ثمرة التحسين الصحي. أكبر الخاسرين هنا المستفيدون من التطوير الشخصي والبرامج الصحية، لأنهم فقدوا ثقتهم بسبب عيوب في النصيحة أو أسلوب تقديم النصيحة. ومثلهم بكل تأكيد من ينصح بعدم شراء المسكن أو الحصول على قرض أو تغيير الوظيفة، وهو يفتقر إلى أبسط البديهيات في أسس الإدارة المالية، وربما لم يعلم حالة الشخص الذي يقدم له النصح، فما بالك بمن يوصي الآخرين بالاستثمار في الأسهم أو الاشتراك مع مضاربي العملات؟ معظم هؤلاء الناصحين لم يتم تدريبهم لتمرير النصيحة المختصة، ولم يتفرغوا لاستيعاب السياق المحيط بطالب النصيحة، وفي كثير من الأحيان ينقصهم قدر كبير من المعرفة السلوكية في مجال تخصصهم.
هناك ثلاثة أشكال من النصائح المالية الفاشلة: نصيحة جيدة تعطي نتيجة فاشلة، ونصيحة قاصرة لا تأخذ كل أبعاد الموضوع في الحسبان، ونصيحة خاطئة شكلا ومضمونا. الحالة الأولى نقول فيها مثلا: اصرف أقل من دخلك، ادخر، استثمر، لكن لا نرى أي نتيجة، ينتقل فيها الناصح من مستفيد إلى آخر بشكل سريع حيث ينسى أو يتجاهل قياس الأثر، لهذا هو لا يعلم أن ما يقوله صحيح لكنه لا يؤدي الغرض المتوقع منه. لكن لماذا لا تعطي هذه النصائح الجيدة النتيجة المطلوبة؟ عبارة "اصرف أقل من دخلك" عبارة اعتيادية يعيها الأطفال، ومنطقيا لا تتطلب التذكير، بل إنها معطى في حياتنا ومسلمة من مسلمات المنطق المالي الذي يعيه معظم الناس. المشكلة مرتبطة بالقدرة على الالتزام، بالمحفزات، بمهارة تنويع العادات، بالإيمان الحقيقي بضرورة تغيير السلوك، وهنا يكمن التحدي؛ فالمسألة لا ترتبط بالاستجابة لنصيحة معروفة مسبقا، وإنما في إيجاد حافز التغيير والالتزام بقاعدة أساسية نعرفها جيدا لكن لا نتبعها. وهنا يأتي قالب النصيحة ومحتواها، إذ يجب أن يصاغ ويعمل بطريقة تحرك العقل نحو مدخل التغيير المطلوب، تثير المحفزات والمشجعات، وتتحول من تمرير صرف المعرفة الباهتة، إلى تحريك حقيقي لتفاعلات التفكير والسلوك. لهذا السبب تحديدا، ينجح أسلوب التوجيه والإرشاد الفردي المقترن بالمتابعة مقابل التعليم الجماعي وحضور الورش ومشاهدة المقاطع التي ننسى محتواها بعد بضع ساعات.
الشكل الثاني من النصيحة الفاشلة، هو نصيحة قاصرة ناقصة غير ناضجة. قد تكون صحيحة أساسا، مثل: "لا بد أن تبدأ مشروعك اليوم" وهذه من أشهر النصائح المالية، تبدأ مشروعك لتزيد وتنوع مداخيلك المالية وتقلل اعتمادك على الوظيفة. وبعدها يذهب المتأثر المسكين ويقترض بشجاعة فهو رجل أعمال الآن ويستأجر موقعا ويستثمر كل ما يملك وربما يشارك قريبا أو صديقا. ثم ينتهي بعد فترة بخسارة مؤلمة، ونزاع مع شريكه، وديون، وضياع فرصة تطوير نفسه في مقر عمله. لقد غاب عن بال الناصح هنا أن يأخذ وضع الدورة الاقتصادية، وغاب عنه أن يدرس حالة هذا الشخص وجاهزيته الشخصية والمهارية لمثل هذا المشروع، وغاب عنه أن هناك عدة طرق لتنويع الدخل وزيادته لا تنحصر في فتح مشروع جديد على شارع تجاري.
الشكل الثالث من النصائح الفاشلة هو النصائح الخاطئة شكلا ومضمونا. مع الأسف مثل هذه النصائح كثيرة جدا، لأنها تحدث في أجواء غير ملائمة أساسا للنصيحة من أفراد غير ملمين بأساسيات الثقافة المالية. مثلا التناصح في مجلس "بيلوت" أو في جلسات أحد المقاهي بشراء أرض وبناء منزل أوسع، يخرج بعدها المنصوح المكلوم ويتعاقد لمدة 25 سنة مقبلة مدينا لمصرفه. كان وشيكا على شراء وحدة سكنية صغيرة بما يملك من نقد مع قرض شخصي بسيط، لكن أحد الأذكياء قال له: "وليه تضيق على نفسك، استفيد من البرامج واشتري بالمبلغ والقرض الشخصي أرضا كبيرة، وخذ قرضا سكنيا وابني فيها بيت العمر لك ولعيالك". طبعا الآن مثل هذا يدفع الأقساط والفواتير على غرف فارغة لأن أبناءه كبروا وخرجوا من المنزل للعمل والدراسة.
التهاون في تمرير النصائح وتوقعاتنا بنفع الآخرين بسهولة الكلمات التي لا يحاسب عليها أحد دائما ما تصطدم بواقع أكثر تعقيدا. تناقل المعرفة والتأثير مطلب مهم وحيوي لمجتمع أكثر تماسكا وتطورا، لكن ينبغي أن يحذر الناصح من التأثير الرخيص الذي يدمر أكثر مما يعالج، ويحذر المنصوح من مغبة التكاسل عن التعلم الذاتي. لا بد أن يملك المنصوح القدرة على تقييم كل نصيحة يتم استقبالها ويعرف طرق المختصين ومسالكهم، ولا بد أن يعي الناصح أن تقديم النصائح الفاشلة دون أخذ الحيطة والاهتمام جريمة في حق المتضرر منها.

إنشرها