FINANCIAL TIMES

مساع ويلزية لإعادة صناعة الإلكترونيات إلى موطنها الأم

الفحم والحديد كانا القاعدتين اللتين بنيت عليهما مدينة نيوبورت في جنوب ويلز خلال الثورة الصناعية، وانخفاضهما جعل اقتصادها يعاني. لكن هناك صناعة جديدة تنمو تأمل المنطقة أن تضعها في مركز الثورات المقبلة - في تكنولوجيا رقائق الكمبيوتر.
في مصنع يظهر وكأنه مختبر عالي التكنولوجيا أكثر من كونه خط إنتاج، يتم إنتاج مواد متطورة تسمى أشباه الموصلات المركبة. تشكل هذه "الأشباه المركبة" الأساس لشرائح كمبيوتر تميل إلى تشغيل كل شيء، من السيارات الكهربائية إلى شبكات الجيل الخامس فائقة السرعة وشبكات الطاقة الذكية.
يقول درو نيلسون، الرئيس التنفيذي لشركة آي كيو إي، التي تمتلك المنشأة: "نضع أغشية رقيقة جدا على الأسطح تمنح الجهاز خصائص أدائه. جميع التكنولوجيات المستقبلية التي يمكنك التفكير فيها ستتأثر بشدة بأشباه الموصلات المركبة".
تعتبر "آي كيو إي" جزءا من "مجمع" يركز على نيوبورت يضم مجموعة من الشركات والجامعات والسلطات المحلية التي تسعى إلى إنشاء نسخة ويلزية من وادي السيليكون في كاليفورنيا.
كانت المنطقة موطنا لمصانع تنتج أشباه موصلات السيليكون لعدة عقود، ويأمل الذين يقفون وراء المجمع استغلال تركز المنشآت والخبرات لوضع المملكة المتحدة في طليعة قطاع من المتوقع أن يدعم الإلكترونيات المستقبلية.
تجمع أشباه الموصلات المركبة بين عنصرين أو أكثر ولها خصائص تفوق السيليكون، الذي ظل أساسا للدوائر المتكاملة منذ أواخر الخمسينيات.
يتطلع الذين يقفون وراء مجمع نيوبورت إلى أن يعمل تطوير المواد الأولية للرقائق في ويلز على إعادة صناعة الإلكترونيات إلى موطنها الأم الذي انتقلت منه إلى بلدان منخفضة التكلفة منذ التسعينيات.
قال ستيفن دوران، الرئيس التنفيذي لـ "منصة تطبيقات أشباه الموصلات المركبة" Compound Semiconductor Applications Catapult، وهي جزء من شبكة من مراكز التكنولوجيا والابتكار تدعمها الحكومة: "كلما مضيت قدما مع سلسلة التوريد، تزداد القيمة وبالتالي يرتفع الهامش والربح. المملكة المتحدة تحتاج إلى ـ وتريد ـ أن تكون في الجزء الأخير من سلسلة التوريد تلك وتصمم الأنظمة التي تستخدم أشباه الموصلات المركبة هذه".
الجائزة المتوقعة ضخمة: تقدر قيمة سوق السيليكون العالمية بـ480 مليار دولار في عام 2018، ومبيعات أشباه الموصلات المركبة 86 مليار دولار، تمثل المملكة المتحدة نحو 10 في المائة منها. من المتوقع أن تنمو سوق السيليكون بمعدل مركب يراوح بين 2 و3 في المائة سنويا خلال العقد المقبل، في حين يتوقع أن يشهد ما يسمى "الأشباه المركبة" نموا ثنائي الرقم خلال الفترة نفسها، وفقا لتقديرات "منصة تطبيقات أشباه الموصلات المركبة".
حاليا، يتم شحن كثير من منتجات أشباه الموصلات المنتجة في المنطقة إلى جنوب شرقي آسيا والمكسيك، وتخضع هناك إلى مزيد من عمليات المعالجة ويتم دمجها في النظم الفرعية والمنتجات النهائية.
تجميع الشركات والمؤسسات البحثية معا مصمم لتشجيع العمل التعاوني اللازم لتعزيز إنتاجها.
مثلا، ينتج مسبك "أي كيو إي" تركيبات طبقة ذرية معقدة للغاية، تسمى "رقاقة ترسيبية" epiwafers، يتم إرسالها إلى منشآت تصنيع الرقائق الدقيقة. مصنع نيوبورت ويفر القريب يضيف طبقات موصلة وعازلة لبناء من 300 إلى 50 ألف رقاقة على كل رقاقة ترسيبية مقاسها ثماني بوصات.
كانت الشركة موجودة منذ ما يقارب أربعة عقود وتوظف 450. ومع أن 90 في المائة من إيراداتها لا تزال تأتي من رقائق السيليكون، إلا أنها تتطلع إلى توسيع مبيعات الأشباه المركبة.
قال سام إيفانز، مدير الشؤون الخارجية في "إن دبليو إف": "مع أشباه الموصلات المركبة هناك تفاعل أكبر بكثير بين التصميم والمعالجة. كثير من وظائف الشريحة مدمجة بالفعل في بنية العملية - الكيمياء نفسها".
أضاف: "بالنسبة لعمليات التجميع ذات القيمة المضافة الأكثر تعقيدا، إعادة التصنيع للموطن الأم سيكون أمرا منطقيا من الناحية الاقتصادية لأنك تحتاج إلى أساليب تصنيع متقدمة. قد يكون هذا حجما صغيرا مقارنة ببناء رقائق ذاكرة، لكنه شيء من النوع الذي تجيده بريطانيا".
يوافق كين سكيتس، وزير الاقتصاد الويلزي، قائلا: "هذه ليست شركات ناشئة، كل واحدة منها موجودة منذ أكثر من ثلاثة عقود ونحن نعرف أن مفتاح دعمنا هو تشجيع المجموعة على العمل بشكل تعاوني - الأمر بالكامل أكبر بكثير من مجموع الأجزاء".
قالت جامعة كارديف، وهي مقر "مؤسسة أشباه الموصلات المركبة"، إن مجموعة نيوبورت، المصممة على غرار مبادرات مماثلة في أوروبا، يمكن أن توفر ثلاثة آلاف وظيفة جديدة في المجمع بحلول عام 2025.
لكن صناعة الإلكترونيات في جنوب ويلز كانت لها بداية خاطئة من قبل. يقع مصنع "آي كيو إي" في مجمع كبير تم إنشاؤه لشركة إل جي إلكترونيكس الكورية الجنوبية، التي حصلت على إعانات حكومية ووظفت في وقت ما ثلاثة آلاف شخص يصنعون مكونات التلفزيون، لكنها غادرت في عام 2006. اليوم تعد "آي كيو إي" من بين أكبر عشرة أسهم يجري بيعها على المكشوف في المملكة المتحدة - إشارة إلى أن بعض المستثمرين يراهنون على أن سعر سهمها سينخفض.
يتعين على هذا القطاع التغلب على أزمة شائعة في المملكة المتحدة، التي على الرغم من كونها رائدة في مجال البحث والتطوير العلمي، إلا أنها غالبا ما تكافح لتحويل الاكتشافات إلى ابتكارات تجارية. إضافة إلى أنها تواجه منافسة شرسة من ألمانيا والصين والولايات المتحدة، وهي بلدان غالبا ما تتمتع باقتصادات أكبر حجما ومجموعات أكبر من رؤوس الأموال.
لكن في نيوبورت يستمد بعضهم التفاؤل من تراث المنطقة. قال إيفانز من مصنع نيوبورت ويفر: "أنتجت ويلز ثلث الفحم في العالم في الثورة الصناعية الأولى ولعبنا دورا كبيرا في ذلك. في الثورة الصناعية الرابعة، المكون الرئيسي هو أشباه الموصلات المركبة (...) إننا نملك أمرا يحتمل أن يكون ضخما".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES