ثقافة وفنون

التنوير أساس تقدم العالم .. لكن بأي ثمن؟

إن اتساع نطاق التشاؤم بشأن المستقبل، واعتبار "العالم يزداد سوءا" عائد في الأساس إلى التعاسة التي يتولى رجال السياسة والفكر والصحف توزيعها بيننا، فما أكثر "الرجعيين" في صفوف المفكرين والمثقفين والأكاديميين والإعلاميين، ممن ينكرون حقيقة أن العالم "يتقدم نحو الأفضل". نعم إن التقدم مطرد وتراكمي؛ وبشكل متواز، على الأصعدة والجبهات كافة.
يدافع ستيفن بينكر Steven Pinker عالم النفس الكندي الأمريكي والأكاديمي في جامعة هارفارد، عن هذه الأطروحة بشراسة في كتابه "التنوير الآن: عن المنطق والعلم والإنسانية والتقدم" (2018)، عادًّا هذا المسار التقدمي للإنسانية ما هو إلا حصاد قيم التنوير منذ القرن الـ18، التي أوجزها الفيلسوف إيمانويل كانط في عبارة "تجرأ على المعرفة".
يلفت بينكر النظر في هذا الكتاب إلى التطور الحضاري المتسارع الذي شهدته البشرية، منذ بداية عصر التنوير الأوروبي حتى اليوم، وكيف استطاعت الاكتشافات العلمية والنظريات الفلسفية أن ترفع البشرية في مدارج الرقي والتطور. وتقضي - أو على الأقل تخفف - من الشرور التي عانتها عبر التاريخ؛ مثل الأوبئة والفقر والمجاعات والكوارث الطبيعية.
يستند الكاتب في الدفاع عن أطروحته إلى لغة الأرقام والمنطق والرسوم البيانية والشواهد التاريخية، لتأكيد أن الإنسانية تعيش على وقع تقدم لم يسبقه نظير في المجالات كافة من دون استثناء، من صحة وتعليم وأمن وسلام واستقرار ورخاء وسعادة وجودة للحياة.. رابطا في صيغة استلزامية كل الفضائل بالتنوير، وكأن ما قبله من عصور وشعوب بلا مجد ولا فضل على تطور البشرية.

جوهر الإبداع البشري
يخوض بينكر القتال "التنويري" التفاؤلي متسلحا بالبيانات الكمية، فهو يستعرض على مدار ثلثي الكتاب، أدلة ورسوما بلغت نحو 80 رسما بيانيا، بغية التأكيد أن الحياة تمضي في مسار مطرد، وبالنسبة إلى معظم الناس نحو الارتقاء والتحسين. متسائلا: كيف لنا أن نثني بوعي على حالة العالم؟ مجيبا بأن الحل يكمن في التعداد.
إن العالم اليوم أكثر ثراء مائة مرة، عما كان عليه قبل قرنين من الزمان، وأصبح الرخاء موزعا بشكل متساو بين البلدان والشعوب، فيما تزايدت فرص السلام التي يمنحها العالم اليوم بشكل لا نظير له، فالحرب هي الأصل في تاريخ الحضارات والأمم، فيما كان السلام استثناء. لقد أصبحت الحروب بين الدول جزءا من الماضي، بل حتى الحروب الداخلية أضحت تغيب عن خمسة أسداس العالم، فيما انخفضت نسبة ضحايا الحرب سنويا إلى نحو الربع عما كانت عليه في منتصف الثمانينيات.
كان العالم قبل قرنين يرزح تحت ظلام الأمية، بنسبة وصلت 88 في المائة، بينما بلغ من بمقدورهم القراءة والكتابة اليوم 85 في المائة من البشر، ويتوقع أن تودع البشرية الأمية في عضون العقود المقبلة. انعكس التعليم على ثراء وتنوع المجتمعات، حيث انخفضت حدة التمييز داحل المجتمعات، وسادت الديمقراطية في العالم؛ فقد أضحى 3/2 من سكان العالم يعيشون في كنف أنظمة ديمقراطية؛ فهناك 103 دول ديمقراطية تمثل إجمالي سكان بلغ نحو أربعة مليارات نسمة. وأضحت دول استبدادية مثل الصين أكثر حرية، مما كانت عليه في الماضي. وصار بمقدور المرأة التصويت، في أي بلد يمتلك فيه الرجل هذا الحق، بعدما كانت تصوت في بلد واحد فقط مطلع القرن الماضي.
يتصدى الرجل بذلك لخطاب التهويل والتخويف من المستقبل المتداول في صفوف اليمين واليسار على حد سواء، مستعيضا عن ذلك بالدعوة إلى التأمل العميق في مفاهيم المنطق والعلم والإنسانية والتقدم، التي تشكل الركائز الأربع لأطروحته. قاصدا بذلك مخاطبة العقل بالأدلة والبراهين، لا استدرار العواطف بالبلاغة والخطابة، حتى تتفاءل النفوس بالحاضر والمستقبل.
يدعي بينكر أن فكرته الأساسية ترمي إلى كشف الجوانب الإيجابية، في زمن سادت فيه السوادية، وعم فيه الخوف من المستقبل وعليه. داعيا في الوقت ذات إلى ضرورة التحلي بالوعي اللازم حيال المشكلات، قصد ضمان المعالجة المثلى لها، فبحسبه "ليس التفاؤل ولا التشاؤم هو ما نحتاج إليه، بل الدقة". لكن القارئ سرعان ما يكتشف أن هذه الدقة مفقودة وأحيانا معدومة مع توالي فصول الكتاب.

«العالم يتقدم» .. لكن لمصلحة من؟
ربما أراد صاحب كتاب "الملائكة الأفضل لطبيعتنا" أن يعمل بنصيحة الفيلسوف المتفائل جون ستيوارت ميل التي قال فيها "لقد لاحظت أنه ليس المرء الذي يتفاءل فيما ييأس الآخرون، بل الذي ييأس بينما يتفاءل الآخرون هو من يحظى بإعجاب الأغلبية ويعد حكيما". لكن مساعيه لتحقيق ذلك رافقتها دوجمائية واضحة، مقرونة برؤية موغلة في التبسيط، ومفرطة في التفاؤل، حد تحوله من خانة اللطف ليصبح رديف الحماقة.
يدعو بينكر في فصول كتابه القراء إلى استعادة رسالة "التقدم"، إلا أنه يسقط سهوا لا عمدا؛ وهو بصدد توزيع البشارة، في فخ ربط مفهوم التقدم باقتصادات السوق الحرة، وتمجيد النهج النيوليبرالي التكنوقراطي المهيمن على حل مشكلات العالم، مقدمه كخيار وحيد نجح في الماضي، وباستطاعته قيادة البشرية على طريق النصر حاضرا.
لن نختلف مع الرجل في كثير مما تضمنه كتابه، بشأن قرون من التقدم في مناحي الحياة. صحيح أن العنف تراجع، وتحسنت صحة الفرد، وزاد أمد الحياة، وانتشر التعليم، وتقلصت نسب الفقر، واتسع نطاق العناية بفلسفة حقوق الإنسان.. لكن هذا "المبشر" لا يفصح عن الثمن الذي دفعته البشرية نظير هذه الإنجازات.
لا يتحدث عن الارتفاع المهول في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ولا عن استمرار زيادة المساحات الميتة؛ أي غير الصالحة للحياة، على كوكب الأرض، ولا عن انخفاض موارد المياه العذبة للفرد بفعل التلوث، ولم يبال وهو يسوق كتابه بالتحذير الشديد اللهجة الذي وجهه 15 ألف عالم من 184 دولة إلى الإنسانية، بسبب الاستهلاك المفرط لموارد العالم. عادِّين الإنسانية مقبلة على "خسارة كارثية واسعة النطاق للتنوع البيولوجي".
إن التقدم الذي نحققه، ويدعونا بيكر إلى الهرولة وراءه، يتم باستغلال موارد الأرض بشكل أسرع من الوقت الذي يفترض حتى تتجدد، بذلك يكون الأمر أشبه برصيد في حساب بنكي يقترب من الصفر، وعلى الرغم من إدراك للعواقب الوخيمة يصر صاحبه على إصدار الشيكات. على مقياس أوسع، يبدو الأمر كما لو أن حضارتنا تواصل أخذ القروض البنكية، لكي تزود الحساب بالأموال، ثم تدعي أن مصدر هذه الأموال دخل شهري، ونحتفل نحن بـ "التقدم" المستمر، لكي تنفد الأموال في النهاية، وتنتهي اللعبة.
ختاما لا بد من تذكير بيكر وأنصاره بأن نتائج قياس 60 عاما من مؤشر التقدم الحقيقي التاريخي لعديد من الدول، أفضى إلى نتائج تدحض ادعاءاته ارتباط الناتج المحلي الإجمالي بالرفاهية؛ فقد بينت النتائج أن أن التقدم الحقيقي العالمي قد بلغ ذروته عام 1978، ليبدأ في الانخفاض منذ ذلك الحين.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون