في الشأن التعليمي .. البيئة المدرسية

|

في مقال الأسبوع الماضي تناولنا موضوع إعداد المعلم، بحكم أن المعلم ركن أساسي من أركان العملية التعليمية، واليوم نتناول البيئة المدرسية، وقيمتها الأساسية في تحقيق عملية تعلم وتعليم جيدة، ويمكن تناول البيئة المدرسية من شقين رئيسين، أولهما بيئة المدرسة المادية، وثانيهما البيئة الإنسانية، ولا أقول البشرية لما في مصطلح الإنسانية من دلالة عميقة تفوق معنى مصطلح البشرية.
البيئة المادية تتمثل في موقع المدرسة، وضرورة حسن اختياره، بعيدا عن مصادر التلوث، والضوضاء، ومصادر الخطر عند دخول، وخروج الطلاب، إضافة إلى سهولة الوصول إلى المدرسة، بدلا من بنائها في بطن أحد الأودية، كما هو موقع بعض المدارس التي لم يدرس موقعها بشكل جيد ما يترتب عليه حرمان الطلاب من الدراسة عند هطول الأمطار، وتعريضهم لمخاطر لا حدود لها في حال محاولة قطع الطريق الهادر بمياه السيول الجارفة.
المبنى المدرسي بسعته، وتصميمه، وتحقق الإضاءة، والتهوية الطبيعية، ونظافته، وسهولة الحركة داخله، خصائص ضرورية للمبنى المدرسي؛ ليشعر الطلاب برحابة المكان، بدلا من شعور الضيق، و"القرف" الذي يجده الطالب في حال عدم توافر سعة المكان، وهذا يوجد في المباني التي لم تكن من الأساس مدرسة، وتحديدا المباني السكنية التي تحولت إلى مدارس؛ بسبب سوء التخطيط، وما أكثر المدارس من هذا النوع وما أبشعها من الخارج، فكيف بها من الداخل، وقد تحول المطبخ والممر إلى قاعة دراسية!
مصادر الخطر في المبنى المدرسي تتعدد من التماس كهربائي، أو سواتر وضعت على الجدران، أو مظلات نصبت لإيجاد ما يمكن تسميته ملعبا؛ يتلهى فيه الطلاب في حصة الرياضة، أو في الفسح، أو عدم توافر نظام إنذار، ونظام إطفاء وقت الحرائق، وعدم وجود مخارج طوارئ جيدة.
مررت بإحدى المدارس الأهلية في إحدى المدن فرأيت مبنى رثا؛ يثير الكآبة من الخارج، فكيف بمن يقضي فيه ثلث يومه حتى ليصعب على المرء تسمية المكان مدرسة، بل هو أقرب إلى مكان احتجاز منه إلى مدرسة. البيئة المدرسية تفترض فيها ساحات واسعة، وخضرة، وممرات فسيحة، ومختبرات، ومعامل يمارس فيها الطلاب التجارب؛ بما يتناسب مع المرحلة الدراسية، كما يجب تجهيزها بمطعم جيد؛ لتتحقق التغذية الجيدة وفق الشروط الصحية لتحقيق نمو سليم، كما يضاف إلى ما سبق الأخذ في الاعتبار احتياجات ذوي الإعاقات لتسهيل حركتهم، وتجنيبهم أي آثار سلبية تنجم عن عدم تهيئة المكان بما يناسب نوع الإعاقة.
البيئة الإنسانية للمدرسة تتحقق عندما تعمل أسرة المدرسة بكامل طاقمها، كجسد واحد يجمع بين أعضائها الود، والمحبة، والإخاء، والتعاون بما فيه مصلحة الطلاب، بما يسهم في بناء المجتمع، وتنمية الوطن الصحيح، والمناخ الطبيعي يتحقق بسمو الأخلاق، ونبذ ما يفرق بين الزملاء؛ بغض النظر عن الخبرة، والعمر، فالمعلم صغير السن يتعلم ممن هم أكبر سنا، وقليل الخبرة يستفيد من خبرة زملائه؛ بلا منة منهم؛ ولا تردد، وخجل منه، واللقاءات، والاجتماعات بين أسرة المدرسة تسهم في الحصول على تغذية راجعة بينية، وتفيد في معرفة جوانب القوة، والضعف عند الطلاب لتلافيها من خلال برامج، وأنشطة مشتركة.
شعور الطالب بالأمان داخل المدرسة حق من حقوقه، واجب تحقيقه من قبل أسرة المدرسة، إذ لا يمكن أن تتحقق عملية تعلم، وتعليم جيدة متى افتقد الأمن النفسي، خاصة مع وجود حالات تنمر، واعتداء، واستقواء يمارسها بعض الطلاب على من هم أصغر سنا، أو أضعف في البنية الجسمية. المدرسة مجتمع مصغر تتم داخلها عملية تكييف الفرد؛ ليكتسب قيم ومبادئ المجتمع، وثقافته العامة، وفي المدرسة يفترض أن يتعلم احترام الأنظمة العامة، والالتزام بها، ومعرفة الحقوق، والواجبات تجاه الوطن، والجيران، وسائر مكونات المجتمع.
المحافظة على الممتلكات العامة، والمكتسبات التنموية التي تحققت، وتتحقق تمثل إحدى المهمات الواجب على المدرسة السعي لتثبيتها في أبنائها، كما أن المحافظة على نظافة المقعد، والفصل، وساحة المدرسة، والمطعم تمثل مؤشر سلوك حميدا للفرد خارج أسوار المدرسة.
الشجاعة الأدبية، والثقة بالنفس، ومحبة الآخرين، وقوة الانتماء للوطن أو بشكل عام تحقق خصائص المواطن الصالح مخرجات مهمة، وواجب من واجبات المدرسة لا يمكن تحقيقه ما لم تكن المدرسة بكل منتسبيها إدارة، ومعلمين، وطلابا يشعرون بروح الأسرة.

إنشرها