خسائر الحرب التجارية الأمريكية - الصينية

|


يتوافق معظم المختصين على أن حرية التجارة تفيد الاقتصاد العالمي، وأن جزءا كبيرا من النمو خلال العقود الماضية جاء نتيجة للانفتاح التجاري لمعظم دول العالم. ويوجد شبه إجماع على أن الحروب التجارية تضر بجميع الأطراف وتلحق أضرارا بالاقتصاد العالمي تتفاقم إذا حدثت بين الاقتصادات الرئيسة. وصدر أخيرا عديد من الدراسات التي تناقش تأثير النزاع التجاري بين أكبر اقتصادين عالميين الولايات المتحدة والصين. وتقدر الدراسات أن يقود فرض رسوم إضافية على جميع التبادلات التجارية بين الصين والولايات المتحدة إلى خسارة الاقتصاد العالمي لمئات المليارات من الدولارات خلال عام أو عامين. وسيكون الاقتصاد الصيني في مقدمة الخاسرين من هذه الحرب التجارية، نظرا لحجم صادرات سلعه وخدماته الهائل للولايات المتحدة التي تجاوزت 550 مليار دولار العام الماضي، وتحقيقها فائضا يقارب 380 مليار دولار. وفي حالة استمرار تطبيق الرسوم الإضافية لفترة طويلة من المحتمل أن يتراجع نمو الاقتصاد الصيني بما يقل قليلا عن نقطة مئوية، بينما سيتراجع الاقتصادان الأمريكي والعالمي بنحو نصف نقطة مئوية أو أكثر قليلا. وإذا تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي للعالم فسينخفض نمو أسواق العمل بملايين الوظائف حول العالم.
لا يخفى على أحد مدى الهلع والحساسية الشديدة التي تظهرها أسواق المال ومؤشراتها لأنباء النزاع التجاري الصيني- الأمريكي، حيث انخفضت بقوة عدة مرات بسبب زيادة حدة التوترات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة. في المقابل تشهد الأسواق تحسنا ملحوظا عند ارتفاع ثقتها بإمكانية الوصول إلى اتفاق بين الطرفين. وتشير تقديرات بعض المتخصصين في الأسواق المالية إلى إمكانية تراجع أسواق المال الأمريكية بنسب قد تصل إلى 10 في المائة في حالة فرض رسوم جمركية أمريكية إضافية على جميع السلع الصينية، بينما ستتراجع نظيراتها الصينية بنسب أكبر، وسيتضرر باقي أسواق المال العالمية. وسيتسبب هذا التراجع في خفض إضافي للنمو الاقتصادي العالمي والأمريكي والصيني، كما ستقود حالة عدم اليقين التي تحدثها النزاعات إلى خفض رغبة المستثمرين في الاستثمار وتؤثر في مستويات الاستهلاك.
تأتي الصين والولايات المتحدة على رأس المتأثرين سلبا بالرسوم التجارية الإضافية بين البلدين، حيث يرتبط ما يقارب 4 في المائة من ناتج الصين المحلي بالصادرات إلى الولايات المتحدة، بينما يرتبط أكثر من 1 في المائة من الناتج المحلي الأمريكي بصادرات الولايات المتحدة إلى الصين. إضافة إلى ذلك يرتبط جزء بسيط من الناتج المحلي في الولايات المتحدة والصين بصادرات الطرف الآخر إليه. أما بالنسبة لأكثر الصناعات تضررا في البلدين فستكون صناعات أجهزة الكمبيوتر والجوال والإلكترونيات والكهرباء بشكل عام. وستعاني الصناعات الصينية بشكل أكبر وأكثر الحرب التجارية مع الولايات المتحدة بسبب حجم صادراتها الهائل إلى الولايات المتحدة. بينما ستتأثر قطاعات معينة بشكل كبير في الولايات المتحدة ومن أبرزها صناعات النفط والطاقة والمعادن والمنتجات المعدنية والزراعية وصناعات الآلات والمعدات. كما ستتراجع أرباح كثير من الشركات الأمريكية المستثمرة في الصين أو التي تنتج جزءا كبيرا من صناعاتها، ومن أبرز تلك الشركات شركتا أبل وجنرال موتورز.
قاد انتشار سلاسل الإنتاج العالمية إلى زيادة ترابط الاقتصادات العالمية. وترتبط نسب متفاوتة من الناتج المحلي الإجمالي لكثير من دول العالم بالتجارة الصينية - الأمريكية. وترتفع نسبة الارتباط بالصادرات الصينية في الدول المجاورة للصين ومن أبرزها تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايلاند وفيتنام. في المقابل يرتفع ترابط الناتج المحلي في دول مثل كندا والمكسيك مع الصادرات الأمريكية للصين، لهذا ستتأثر بالرسوم الصينية على الصادرات الأمريكية أكثر من غيرها من دول العالم. أما بالنسبة للمملكة فتقدر بعض المصادر أن ثلث نقطة مئوية من ناتجها المحلي مرتبط بالصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، بينما يقل ارتباط الناتج المحلي للمملكة بالصادرات الأمريكية للصين عن عشر نقطة مئوية. طبعا ستكون الصادرات الرئيسة للمملكة وهي منتجات الطاقة والصناعات الكيماوية أكثر المتأثرين بالحرب التجارية الصينية - الأمريكية. ولكن التأثير الأبرز لهذه الحرب ــ بالنسبة للمملكة ــ في حال استمرارها سيكون على طلب النفط، حيث سيقود تراجع نمو الاقتصاد العالمي إلى خفض أسعاره بعدة دولارات.
سينتج عن الحرب التجارية بعض التغير في السياسات النقدية، كخفض معدلات الفائدة للتعامل مع تراجع نمو النشاط الاقتصادي أو العودة لسياسات التيسير النقدي. في حالة استمرار فرض الرسوم الجمركية ستجني الحكومتان الصينية والأمريكية إيرادات إضافية، التي هي عبارة عن ضرائب على المستهلكين والمنتجين وهو ما سيخفض دخول المستهلكين وأرباح المنتجين بالمقدار نفسه تقريبا. ومن المتوقع أيضا أن تشهد أسواق العملة تقلبات ملحوظة بسبب تغير تدفقات التجارة العالمية الناتج عن الحرب التجارية، حيث سيعمد المنتجون في البلدين إلى تغيير وجهات الصادرات للتكيف مع القيود التجارية الإضافية والالتفاف حولها ما أمكن. كما ستتأثر معدلات صرف العملة بتغير السياسات النقدية والتجارية وتوقعات النمو في البلدين، الأمر الذي سينعكس على معدلات العملة الأولى في العالم أي الدولار، الذي يؤثر في معدلات العملة في باقي أرجاء العالم.

إنشرها